خلال الأسبوع الماضي تعرضت النائبة الجمهورية في الكونجرس الأميركي، ميشيل باكمان، لانتقادات قوية من قبل السيناتور، جون ماكين، وباقي قادة الحزب الجمهوري لهجومها غير المبرر على موظفة وزارة الخارجية المسلمة، هوما عابدين، ودعوتها لإجراء تحقيق حولها واجتثاث باقي "المتطرفين المسلمين" الذين يتولون مناصب حساسة في الحكومة الأميركية. ولكن قبل الانتهاء من هذه القصة المؤسفة من الضروري التأكيد على أن حملة التشهير التي تعرض لها المسلمون في أحد آخر فصولها من خلال الرسائل الأخيرة التي كتبتها النائبة في الكونجرس، باكمان، ووقع عليها أربعة من زملائها ليست جديدة، فمشكلة التعرض للمسلمين أعمق وأخطر مما توحي به القصة، فهذه ليست المرة الأولى التي يقود فيها نواب من الكونجرس الأميركي حملة "مطاردة الساحرات" ضد الأميركيين المسلمين الذين يتقلدون مناصب حكومية! فقبل ثلاث سنوات فقط طالبت النائبة الجمهورية، "سو ميريك"، مع ثلاثة من زملائها، بالتحقيق في هوية الأميركيين المسلمين الذين يعملون كموظفين في الكونجرس، وخلال إدارة بوش عانى عدد من موظفي البيت الأبيض من الأميركيين المسلمين من مضايقات الكارهين للإسلام في بعض الدوائر. وتبرز هنا أسماء مسلمين تعرضوا للإساءة مثل سهيل خان وعلي طلبة، بل حتى الناشط الأميركي المعارض للضرائب، "جروفر نوركيس"، تعرض للتجريح والهجوم من قبل المحافظين بعدما دعا إلى تواصل أكثر مع المسلمين الأميركيين. وأكثر من ذلك أن العديد من حالات العداء السافر للمسلمين قوبلت بصمت مطبق من قبل السلطات الرسمية، وهو ما ضاعف الشعور بالأسى لدى المسلمين المستهدفين الذين شعروا بأنه لا أحد يقف إلى جانبهم. ولكن فيما يتعلق بالحادثة الأخيرة المتعلقة بهوما عابدين التي أثارت لغطاً كبيراً في الإعلام الأميركي فهناك سببان جعلا منها قصة مختلفة عن الأخريات، أولاً يبدو أنه باستهداف عابدين مساعدة وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، لمدة طويلة، تجاوزت باكمان ومن معها الحدود، فعابدين التي رافقت هيلاري كلينتون منذ أيامها كسيدة أولى، معروفة في أوساط واشنطن باعتبارها امرأة محترمة وعلى قدر كبير من الكفاءة. كما أنه على مدار العقدين اللذين عملت فيهما عابدين في المناصب العمومية خضعت لتدقيق أمني مشدد من قبل الأجهزة كافة سواء "الإف بي أي"، أو "السي أي إيه"، أو الأجهزة الأخرى السرية، ولذا يعتبر إلقاء باكمان لتهم غير مبررة ولا تستند إلى أدلة حقيقية ترمي فيها عابدين بالتطرف، أمراً لا يمكن السكوت عنه. أما السبب الثاني الذي جعل قصة عابدين مختلفة فيرجع إلى شخصية النائبة البرلمانية، باكمان، نفسها التي تعرضت لانتقادات من قبل زملائها داخل الكونجرس، بل ومن الحزب الجمهوري الذي تنتمي إليه، فكثيرة هي المرات التي أثارت فيها باكمان حنق الحزب وقيادته لتصرفاتها الرعناء التي تفتقد الحس السليم، وقد سبق لها التسبب في مشكلة داخل الحزب عندما ادعت تمثيلها لتيار "حفلة الشاي" داخل الكونجرس وأنها ترأسه في محاولة لركوب موجته، هذا ناهيك عن محاولتها الفاشلة دخول السباق الانتخابي داخل الحزب الجمهوري. وبرفضه لهجومها على عابدين يكون المدير السابق لحملتها الانتخابية، "إيد رولينجز"، والموظف السابق في إدارة رونالد ريجان، قد ردد ما قاله السيناتور ماكين في وصفه لعابدين بأنها "امرأة نزيهة وأميركية ملتزمة وموظفة مخلصة"، بل زاد "رولينجز" على ذلك باتهامه لباكمان قائلًا: "إنها تفتقر إلى التصرف السليم والعقلاني"، مشيراً إلى أن مثل هذا السلوك المستهجن ليس غريباً عليها. ولكن على رغم هذه العوامل التي تجعل عابدين فوق الشبهات والشك، فقد تطلب الأمر تدخلاً من أول نائب مسلم في الكونجرس الأميركي، "كيث إيليسون"، كي يطفو الموضوع إلى السطح وتُسلط عليه الأضواء، فعلى رغم مضي شهر كامل على صدور رسائل باكمان الداعية للتحقيق بشأن عابدين وتأييدها من قبل لجنة الاستخبارات في الكونجرس، لم تتفجر الفضيحة إلا بعدما كتب النائب "إيليسون" مقالة في الصحف الأميركية لينتبه الأميركيون إلى الأمر، ويدفع المحطات التلفزيونية إلى إثارة الموضوع في البرامج الحوارية، وهو أيضاً ما دفع السيناتور ماكين إلى التحرك السريع والدفاع عن عابدين. وبالطبع ما أن تحدث ماكين وأدلى بدلوه حتى تبعه باقي قادة الحزب الجمهوري الذين أدانوا رسالة باكمان وما تشي به من تشكيك غير مبرر في ذمة موظفة أميركية لا لشيء إلا لأنها مسلمة، ليجد في النهاية النواب الحمقى الذين انتقدوا عابدين أنفسهم محرومين من أي تأييد إلا من بعض الجماعات اليمينية المتطرفة المعروف عنها كراهيتها للعرب والمسلمين. ولكن قبل الانتهاء من موضوع عابدين لابد من التأكيد على عمق مشكلة الخوف من الإسلام في المجتمع الأميركي التي تساهم في تغذيتها بعض المراكز مثل "مركز سياسة الأمن" الذي كان وراء رسالة باكمان، فهذا المركز يقف في صلب ما سمته مؤسسة أميركية أخرى هي مركز التقدم الأميركي، بـ"شبكة كراهية الإسلام" في أميركا. والمشكلة أن تلك المراكز تتلقى أموالاً طائلة وتعمل بالتعاون مع بعض مؤسسات إنفاذ القانون مثل الشرطة وغيرها لتدريب عناصرها وشحنهم بالمشاعر المناهضة للمسلمين والعرب، ولعل ما يدل على قوة تلك المراكز في بث الدعاية المغرضة التي تستهدف المسلمين تأثيرها على مواقف الأحزاب وتصوراتها تجاه الإسلام والمسلمين، حيث يشير استطلاع للرأي أجري قبل سنة ونصف السنة إلى أنه في الوقت الذي يتبنى فيه 55 في المئة من الديمقراطيين آراء إيجابية عن المسلمين و35 في المئة منهم تصورات سلبية، فإن الأرقام لدى الجمهوريين تصل إلى 12 في المئة فقط ممن يبدون آراء إيجابية عن المسلمين؛ والخلاصة أنه على رغم الوقوف إلى جانب هوما عابدين وانتقاد الاتهامات التي وجهت لها، إلا أن ذلك لا يكفي دون تغيير جذري للتصورات الذهنية السائدة حول العرب والمسلمين في المجتمع الأميركي.