هل انتهت المعارك في العراق بعد تسوية النجف؟ وهل ثمة من سيستفيد من درس النجف وتجربة مقتدى الصدر؟ لقد ولدت التسوية من رحم المأزق. وليس الوقت وقت تقييم الأسباب التي أوصلت إلى هذه الحالة. فقد باتت المرجعية أمام خطر الاحتمال الوحيد: الاستمرار في المعركة وتدمير مرقد الإمام علي والإساءة إلى المقدسات واندلاع حرب مفتوحة في البلاد. لذلك كان لابد من عودة السيستاني والبحث عن تسوية. عادت المرجعية فلماذا قبل الآخرون؟ الأميركيون هم سبب المأزق الأساس. والحملة ضدهم باتت شاملة في كل المدن. ومع وجود عشرات الآلاف من جنودهم على الأرض ثبت فشلهم في فرض السيطرة وباتوا محرجين على أبواب المرقد وبعض مواقع النجف وغيرها من المدن. استخدموا عراقيين. وضعوهم في الواجهة. خففوا عن أنفسهم الخسائر التي كان يمكن أن تلحق بهم. استخدموا طيرانهم وكل أسلحتهم لكنهم كانوا أمام رعب سياسي كبير دون مبالغة يحسبون ألف حساب لاقتحام المرقد لاسيما وأن أصواتاً عراقية روحية وزمنية ارتفعت من موقع المؤيد للقوات الأميركية، والرافض لحركة الصدر، ارتفعت تنتقد السياسة الأميركية. تحسبت أميركا لانعكاسات هذا الأمر سلباً عليها. وبدأ أركان الإدارة يعدون لتسوية أيضاً أو بالأحرى لمخرج واستبقوا النتائج بالتأكيد. لأن المسؤولية تقع على عاتق حكومة علاوي. وراحوا يدفعونها إلى مزيد من التشدد من أجل مزيد من الانقسام الداخلي والاقتتال ورفع المسؤولية المباشرة عنهم. إنه تعبير عن مأزق تضاعفت مخاطره عندما لمسوا أن عناصر الجيش والشرطة غير قادرين على الحسم وأن بعضهم بات محرجاً أيضاً. إذاً، موافقة أميركا على عودة السيستاني وإيجاد تسوية ولدت هي الأخرى من المأزق الأميركي نفسه! ولن تتمكن أميركا من تحمل نتائج انعكاسات تدنيس عسكرها مرقد الإمام علي أو تدميره.
أما الجانب العراقي، فمن فشل إلى فشل ومن مأزق إلى مأزق. لقد ذكرنا وزيرا الدفاع والداخلية ناظم الشعلان و فلاح النقيب بوزير الإعلام السابق محمد سعيد الصحاف، تهديدات ووعيد وحسم كلامي وخيارات مسدودة أمام مقتدى الصدر: إما السجن أو القتل. واعتبار جماعته أوغاداً وإرهابيين وقتلة. وإصرار على اقتحام المواقع المقدسة. ووعد بأن يكون الاقتحام حضارياً كما قال علاوي. أما الواقع على الأرض، فتفكك سياسي داخل الحكومة وانزعاج في داخلها من التخلي الأميركي عن الحكومة وانتقاد سوء أدائها وتحميلها المسؤولية. وتناقض في المواقف على مستوى المسؤولين الكبار وتنديد البعض من داخل الحكومة ومراكز القرار بالسياسة الأميركية وعجز ميداني على الأرض، فالحرب انتقلت إلى كل المدن ولم تعد محصورة في النجف وبعض عناصر الجيش والشرطة انشقوا عن القوات النظامية والتحقوا بالمقاتلين أو انكفأوا، وضياع سياسي وأمني، وأزمات مع إيران اختلفوا على كيفية التعاطي معها. فبين تهديدات البعض واعتبارهم إيران العدو الأول وزيارات البعض الآخر إلى إيران بدا الانقسام كبيراً إضافة إلى سقوط الصدقية أمام المواطنين العراقيين. إذاً، الحكومة العراقية كانت هي الأخرى في مأزق ولابد من مخرج.
هل يعني ذلك أن مقتدى الصدر هو من أحرج الجميع دون أن يصل إلى مأزق؟
بالتأكيد لا. لقد وصل بموقفه إلى آخر الطريق وكان أمام أمرين: إما الإصرار على موقفه والقتال حتى النهاية ولو اضطر إلى تدمير مرقد الإمام علي ووقوع خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة جداً وهذا يعني الانتحار وسقوط الصدقية وكل مبررات وأسباب المواجهة ولا يستطيع لا هو ولا غيره من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة أو المسلمين عموماً أن يفرط بمقدسات وتنقلب كل العملية عليه ويهدي انتصاراً لأميركا ويسهل بقاء احتلالها. ولذلك لجأ إلى الخيار الثاني الذي لم يحقق فيه كل ما أراده لكنه كان الرابح الأكبر بين الأطراف الأخرى. وبالتالي فمن رحم المأزق أيضاً ولدت موافقة الصدر على التسوية. ماذا حققت الأطراف المختلفة؟
استعادت المرجعية الشيعية ممثلة بالسيد السيستاني حضورها القوي والفاعل وأثبتت أن القرار الأول يعود لها. حمت المرقد والمقدسات عموماً. لكن ذلك يرتب عليها مسؤوليات في المرحلة المقبلة في مواجهة بعض قرارات وسياسات الحكومة، ومواجهة استحقاق الانتخابات – تـُجرى أو لا تجرى، ووفق أي قانون – وفي مواجهة الأهداف الأميركية التي لم تتغير!
خسرت أميركا الجولة ميدانياً. لكنها ربحت بعض النقاط. إذ ثمة رغبة عند الجميع بوجود قوات نظامية في النجف وغيرها. وموقف المرجعية ولاحقاً موقف الصدر تضمن ميلاً إلى عدم استخدام السلاح. وقد ترافق ذلك مع خطوات لتشكيل المجلس الوطني العراقي. واتخاذ خطوات ميدانية على الأرض لضبط الأمن. إلا أن النجاح في ذلك يتوقف على مدى جدية الأميركيين في تغيير تعاطيهم مع العراقيين، ومعالجة أسباب ردات الفعل العراقية ضدهم.
السيد مقتدى الصدر ربح الجولة. ونجح في إجبار الاحتلال على الانسحاب. فرض نفسه رقماً في المعادلة السياسية الداخلية. فبين النظرة إليه أنه خارج على القانون والصورة التي ظهر بها ع