بين الحين والآخر تظهر في حياتنا الثقافية والسياسية بعض المفاتيح السحرية في صيغة شعارات تعطي الغريق طوق النجاة. وتقوم هذه الشعارات بالتنفيس عن آلام الناس وتعطيهم آمالاً خادعة في المستقبل. وبكثرة تكرار هذه المفاتيح السحرية ولا شيء يتغير سئمها الناس، ولم يعد يصدقها أحد. فصمّت الآذان، وانقشع الخيال. وأصبح الذي يحرك الناس هو فعل في الواقع، تغير ملموس، شيء يرونه بالفعل. فالواقع أصدق من الخيال، مقاومة بالفعل ضد قوات الاحتلال خير من عشرات الصور عن استقلال العراق ووحدة أراضيه. وشهيد بالفعل في فلسطين خير من عشرات المبادرات لتحرير فلسطين. وحركة مرجعية في النجف خير من النداءات للحفاظ على المقدسات. ولذلك أسباب في وجداننا السياسي والثقافي المعاصر. فبعد اختفاء الناصرية بعد عبدالناصر حدث رد فعل نفسي ووجداني على الحلم المجهض، والتجربة التي لم تتم. ففلسطين لم تتحرر بل احتلت بالكامل بعد 1967. وظهرت الطبقات الجديدة من العسكريين والبيروقراطيين. وتضخمت بتضخم جهاز الدولة. وظهرت الطبقة المتوسطة بدعوى الرأسمالية الوطنية من تجار الجملة والمقاولات وبزوغ القطاع الخاص. وتحطمت التجربة على أسنة الحرية في الداخل واختلاف شعارات الثورة عن تطبيقاتها وممارستها، وعلى فوهة المدافع في الخارج بالعدوان المتكرر عليها منذ العدوان على غزة في 1955، والعدوان الثلاثي في 1956، ثم العدوان الأخير في 1967 الذي أنهى التجربة الناصرية وأسقط ما تبقى من شعاراتها.
وتوالت الشعارات كمفاتيح سحرية رغبة في الإنقاذ واستئناف التجربة ولو بالقول دون العمل، وكمخدر دون إجراء أية عمليات جراحية لتصحيح مسار الأوطان. وحل الخيال محل الواقع، والوهم بدل الحلم. والناس في حاجة إلى طوق نجاة ومفتاح سحري في ثقافة تؤمن بالمعجزات والحلول المفاجئة، ولدى شعوب قادرة على الصبر، وتعتبره مفتاح الفرج. وفي كل مرة يساعد الشعار على عبور "عنق الزجاجة". فالفرج قريب، وأزمة و"تعدي" و"ربنا خلق كل إنسان ورزقه معاه"، و"السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه"، و"المتعوس متعوس ولو علّقو على راسه فانوس"!
بدأت المفاتيح السحرية منذ هزيمة 1967. أولها "العلم والتكنولوجيا" فقد كان أحد أسباب الهزيمة أننا لم نستعد علمياً لها. "وانتظرناهم من الشرق فآتونا من الغرب" و"لا يغني حذر من قدر" كما جاء في خطاب الاستقالة للزعيم عبدالناصر ليلة 8 يونيو 1967. لم نحسن رصد الطيران المنخفض، ولم نحم خطوطنا الخلفية، ولم نحسن الانسحاب المنظم من سيناء، وفرشنا القوات في العراء دون غطاء جوي لأن القائد كان في الجو، ولم نضع الطائرات في حظائر ومطارات سرية طبقاً للنكتة الشهيرة "محطة المطار السري". وباختصار كما قال الشاعر:
"دخلنا الحرب بمنطق الناي والربابة
التي ما قتلت ذبابة".
كان من الطبيعي أن يوضع شعار "العلم والتكنولوجيا" بناء على التجربة المستفادة من أجل استرداد الأراضي المحتلة، والدفاع عن كرامة العرب، ورد الاعتبار لجيش مصر وسوريا. وبعد الانتصار العسكري في أكتوبر 1973، وتحقيق بعض متطلبات الشعار على المستوى العسكري بدأ التحول السياسي في الرؤية العامة للدولة، من الاشتراكية إلى الرأسمالية، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات المتحدة، ومن القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومن "ما يؤخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" إلى "حرب أكتوبر آخر الحروب" و"السلام خيار استراتيجي". ولما بدأت الآثار الوخيمة لسياسة الانفتاح الاقتصادي في الظهور، وبعد غلاء الأسعار في يناير 1977، قامت جماهير عبدالناصر تدافع عن حقوقها في انتفاضة يناير 1977 في نفس الشهر ونفس العام. وكان الخطأ في رأي الدولة عدم التمهيد لذلك تدريجياً حتى يبتلع الشعب غلاء الأسعار سلعة سلعة، وخطوة خطوة. اتُّهم الناصريون والماركسيون والشيوعيون والملحدون والموتورون بأنهم وراء انتفاضة "الحرامية" التي وزعت المواد التموينية على المواطنين في الأحياء المعدمة، ووزعت ممتلكات علب الليل في شارع الهرم على الجموع الفقيرة دون تدمير مستشفى أو مدرسة. ونتيجة لذلك رُفع شعار "العلم والإيمان" وأن "ما لا إيمان له لا أمان له". وزاد التمسح بمظاهر الإيمان في أجهزة الإعلام وفي ممارسات الدولة ورئيسها آنذاك مع التبشير بمجموعة جديدة من قيم "أخلاق القرية"، و"كبير العائلة". في الوقت الذي تصاغ فيه القوانين الاستثنائية مثل "قانون العيب"، وتستمر الأحكام العرفية حتى مذبحة سبتمبر 1981.
واستمرت المفاتيح السحرية للنهضة بالبلاد وتجنب وقوع الأخطاء. فبالنسبة للجيش "إلكترون في يد كل جندي" إشارة إلى تحديث السلاح، وتنويع مصادره، ودعاية للعلم بطريقة الفلاح وكأن الإلكترون فأس في يد المزارع أو بقرة يجرها العامل الزراعي. تحديث عن طريق التخلف، وصعود إلى القمر على طريقة "يامّه القمر ع الباب". دخل الجامعيون الجيش، وتم تحديثه بجهد رجال الجيش وعلم الأكاديميات، وليس عن طريق الخيال الشعبي، والشعار السياسي، والمفتاح السحري.