في صيف عام 1914، كان ليسلي دافيز يشغل منصب قنصل أميركا العام في مدينة هاربوت وهي مدينة تركية نائية تقع في مرتفعات الأناضول الأوسط، وتبعد مسيرة ثلاثة أيام على ظهور الخيول من مدينة القسطنطينية. كان ثلث سكان تلك المدينة في ذلك الوقت من الأرمن الذين يعملون كمزارعين، وتجار، ومدرسين في المدينة، وكانوا يتعايشون بسلام مع جيرانهم من السكان الأتراك. ولكن ما حدث بعد انقضاء عدة شهور على اندلاع الحرب العالمية الأولى هو أن السلطات التركية في المدينة قامت بإصدار أوامر بإغلاق المدارس الأرمنية واعتقال كبراء الجالية الأرمنية فيها. وفي شهر يوليو من نفس العام (1914) قام المنادون بالمرور في شوارع المدينة لتنبيه السكان إلى أنه سيتم ترحيلهم. وعقب ذلك التنبيه بوقت قصير وقبل أن يتخذ الأرمن عدتهم للرحيل، قام الأتراك بالهجوم على أحيائهم وإحراق ممتلكاتهم وبيوتهم.
وبعد تلك الأحداث بشهرين وعندما قام القنصل الأميركي بالخروج إلى البساتين المجاورة للمدينة، متستراً تحت جنح الظلام حتى لا يراه أحد، فإنه رأى هناك ما يقف له شعر الرأس من الهول. ماذا رأى القنصل الأميركي؟
في الكتاب الذي نقوم بعرضه اليوم تحت عنوان "نهر دجلة المحترق" لمؤلفه "بيتر بالكيان" نقرأ وصف ذلك القنصل لما رآه بأم عينه يقول: كان المنظر الذي شاهدت أثناء خروجي من المدينة مروعا. فالمقابر التي حفرت على عمق قليل في الأرض، كانت لا تزال مملوءة بالأشلاء البشرية. والقرى المجاورة التي كانت عامرة بالأرمن ذات يوم كانت قد تحولت إلى خرائب وأطلال. وعندما وصلت إلى ساحل البحيرة الموجودة في المنطقة، وأطللت عليه من مكان مرتفع، رأيت العشرات من الجثث طافية على سطح الماء، كما رأيت آلاف الجثث الأخرى ملقاة في الشعاب الجبلية. لقد كان المشهد مروعاً ويوحي لمن يراه بأن العالم قد أوشك على الفناء.
وعلى رغم أن الحكومات التركية المتعاقبة، قد حاولت إنكار ما حدث للأرمن، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لدفع التهمة عنها، لأن آثار عمليات القتل التي تمت بطريقة عشوائية، كانت مما يصعب إخفاؤه، كما لم تكن هناك أماكن سرية يقوم فيها الأتراك بالإجهاز على ضحاياهم، مثل تلك الأماكن التي قام النازيون ببنائها في بولندا. وقد حظيت المذبحة الجماعية التي قام بها الأتراك ضد الأرمن باهتمام عالمي كبير في ذلك الوقت. والذي ساهم في ذلك الاهتمام هو ما تم إرساله من معلومات وخرائط ورسومات بيانية عن المذبحة من قبل مبعوثي الأمم المتحدة، ورجال الأعمال الألمان، ومهندسي السكك الحديدية، وحتى الجنود الأجانب العاملين في الجيش العثماني والذين شاهدوا آثار تلك المذبحة المروعة.
وكان من الطبيعي أن يتم نشر أخبار المذبحة في الصفحات الأولى من الصحف العالمية في ذلك الوقت، وكان من الطبيعي أيضاً أن يقوم العديد من قناصل الدول المعتمدين في تركيا بإعداد تقارير عن المذبحة وإرسالها إلى حكوماتهم. وعلى رغم أنه لن يكون متاحاً لنا أبداً أن نعرف عدد ضحايا تلك المذبحة على وجه الدقة، إلا أنه يعتقد على نطاق واسع أن عدد من لقوا حتفهم في تلك المذبحة المروعة يتراوح ما بين 800 ألف إلى مليون إنسان .
ومما لاشك فيه أن التأثير الهائل لتلك المذبحة على وجدان القنصل الأميركي في تلك المدينة في ذلك الوقت، وقدرته على الوصول إلى الناجين منها، وإلمامه الكامل بالثقافة والمجتمع الأرمنيين، كانت كلها عوامل ساعدته على إعادة تركيب العالم الذي كان قائماً قبل المذبحة من جديد في مذكراته. والنقطة المهمة التي يؤكد عليها المؤلف، الذي اعتمد إلى حد كبير على تلك المذكرات، هي أن المحرقة أو "الهولوكوست" التي يزعم أنها قد وقعت ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية على أيدي النازيين لم تكن واقعة الإبادة الجماعية الوحيدة التي حدثت في القرن الماضي، وإنما هناك وقائع وأحداث أخرى غيرها، ولكنها لم تحظ بدعاية كتلك التي حظيت بها الأخيرة.
ومثله في ذلك مثل باقي المعلقين، فإن المؤلف يعتقد أن وقائع المذابح الجماعية يمكن أن تقدم لنا بعض الدروس. فهو يؤكد أن مثل تلك الوقائع تمثل دائماً نوعاً من الضغط على ضمائر الشعوب والحكومات الأجنبية، وأنها تحتوي في الكثير من الأحيان على قصص نضال بطولية من قبل هؤلاء الذين يحاولون جاهدين إيقاف عمليات القتل، سواء كانوا من الناشطين، أو موظفي الإغاثة، أو الشرفاء المثاليين الذين يقومون بما تمليه عليه ضمائرهم الإنسانية الحية. ومن الموضوعات الفرعية التي تطرق إليها المؤلف في كتابه الموضوع الخاص ببيان الآثار التي ترتبت على تلك المذبحة في الولايات المتحدة، وهو موضوع يمكن الاستفادة منه في التعامل مع المذابح المماثلة التي وقعت أو يمكن أن تقع في عالم اليوم.
والمؤلف يبين لنا في كتابه الفارق بين السياسات التي تم اتباعها إزاء تلك الوقائع في الماضي، وبين تلك التي يجري اتباعها في الوقت الراهن. فهو يقول إنه عندما حدثت تلك المذابح في الماضي، لم يقم الرئيس الأميركي"ودرو ويلسون" مثلا بإعلان الحرب على الإم