كثيراً ما يتحول الحاضر إلى سجين وراء قضبان الأمس. فالسفير الأميركي الجديد في العراق جون نيجروبونتي، يقترح تحويل ما يزيد على 3 مليارات دولار كانت مخصصة لتحسين البنية التحتية في العراق، إلى حساب الأمن بغرض الإنفاق منها على قوات الشرطة، وتوسيع نطاق الدوريات الحدودية، وعلى الحرس الوطني العراقي الوليد الذي يفترض أن تؤول إليه مسؤولية الأمن. ونيجروبونتي، وكل كبار مساعديه تقريباً، كانوا يعملون معاً في السفارة الأميركية في فيتنام الجنوبية، أثناء الحرب التي دارت رحاها هناك. كانوا لا يزالون شباباً في ذلك الوقت، ولاشك أنهم كغيرهم كانوا يشتاطون غيظاً بسبب الأخطاء التي كان مرؤوسوهم يرتكبونها. هذا ما حدث في الماضي، أما الآن فقد أصبحت لديهم حربهم الخاصة، وسيعملون بالطبع على تجنب الأخطاء القديمة- ولكنهم سيتمتعون بحرية ارتكاب أخطائهم. الوضع في العراق، من وراء أسوار السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء الحصينة في بغداد، قد يبدو شبيهاً بالوضع في فيتنام، أي في صورة تمرد لابد وأن يتم سحقه، إذا ما أريد للحكومة العراقية المدعومة من قبل الأميركيين أن تنجح. ولكن الحكومة العراقية الجديدة تختلف عن الحكومة الفيتنامية التي نجحت الولايات المتحدة في دعمها في فيتنام. فالحكومة الفيتنامية في سايجون، كانت تتمتع بأساس قوي للشرعية، كان قادراً في ذلك الوقت على جعلها تحظى بدعم العديد من القطاعات المهمة في المجتمع.
أما الحكومة العراقية فتفتقر إلى الاثنين حيث تتكون من خليط من السياسيين والزعماء المنفيين، الذين تم تجنيدهم بشكل يكاد يكون قسرياً- تحت الإشراف الأميركي- من المجموعات العراقية العشائرية والاجتماعية والدينية الموجودة في البلاد. فهي إذن ليست حكومة تمثيلية بالمعنى الدقيق، وإن كانت - مع ذلك- أكثر تمثيلا من نظيرتها السابقة التي كانت اصطناعية بالكامل (مجلس الحكم العراقي).
في فيتنام الجنوبية كانت الحكومة التي جاءت عقب عام 1954 تمثل المجموعات الاجتماعية التي كانت ماضية على طريق التحديث في ذلك الحين، والتي كانت قد حكمت البلاد، وخدمت الإمبراطور"باو داي"،عندما كانت الهند الصينية بأسرها لا تزال مستعمرة فرنسية. وقد تجمعت تلك القوى وراء قضية مكافحة الشيوعية في الجنوب تحت لواء الزعيم الوطني الكاثوليكي "نجو دين ديم".
وكان "ديم" في المنفى ثم عاد إلى فيتنام بعد هزيمة فرنسا ليشغل منصب رئيس وزراء دون مباركة أميركية. واستطاع ديم تأسيس شرعيته وحكم البلاد، مستنداً على تلك الشرعية حتى تم اغتياله عام 1963، لأنه كان قد تحول إلى عقبة في وجه السياسات الأميركية.
الحكومة العراقية الجديدة لا تحظى بمثل تلك الشرعية. ولمعالجة هذا الوضع، قامت الولايات المتحدة بوضع جدول انتخابي، هدفه تنصيب حكومة ديمقراطية في وقت ما خلال العام القادم. والافتراض هو أن تقوم الولايات المتحدة بالإشراف على تلك الانتخابات، وأن تقوم بإضفاء الشرعية على الحكومة التي ستبرز في ذلك الوقت. ومع ذلك، فإن صحيفة "نيويورك تايمز"، أوردت مؤخراً تصريحاً جاء على لسان أحد المسؤولين في إدارة بوش يقول فيه، إن الولايات المتحدة تفتقر إلى الموارد الكافية التي تمكنها من أداء تلك المهمة. أما في الأمم المتحدة، فإن الشك لا يزال يساور المسؤولين فيها، حول احتمال تعرضها لمتاعب وأخطار إذا ما قامت بمباركة (حل) تم التوصل إليه تحت السيطرة الأميركية لحرب لم يكن مجلس الأمن التابع لها قد وافق عليها في الأصل. وهناك فرق آخر بين الحكومة العراقية الجديدة وبين الحكومة التي كانت قائمة في فيتنام. ويتمثل هذا الفرق في أن فيتنام الجنوبية كان لديها جيش حقيقي، خاض حرباً ضد الشيوعيين قبل وصول القوات الأميركية إلى هناك، وكان يديره قادة محترفون، وكان مهتماً كذلك بدعم المصالح الاجتماعية والسياسية التي كانت الحكومة القائمة هناك تؤيدها.
أما العراق، فلم يعد لديه جيش. وكل ما لديه الآن هو قوات شرطة وحرس وطني هزيلة الحجم، تتكون من جنود التحقوا بها من أجل النقود فقط، وتحكمهم حكومة مزعزعة. وهذه القوات رفضت القتال في حالات عديدة، أو هربت عندما تم توجيه أوامر إليها بقتال أشقائها العراقيين. ووفقاً لما قاله جنود المارينز، الموجودون في مسرح العمليات بالنجف فإن القوات الأميركية كانت هي التي ستقوم بالفعل بشن الهجوم على جيش المهدي المتحصن في مسجد الإمام علي في النجف- مع ما كان سيترتب على ذلك من عواقب سياسية وخيمة- لولا وصول آية الله العظمى السيد علي السيستاني، الذي أنهى الحصار.
الفرق الثالث والمهم بين فيتنام والعراق، هو أن فيتنام كانت حرباً بين قوات لم تكن هناك وسيلة للصلح أو التوفيق فيما بينها، وكان يتعين على هذا الطرف أو ذاك أن يقوم بسحق عدوه، وهو ما حدث بالفعل عندما أطيح بحكومة سايجون وولت القوات الأميركية هاربة. إن العراق لا يزال دولة يحكمها الغموض السياسي وسيولة المواقف، كما أنه تحول إلى ساحة للصراع بين قوى متعارضة ومتقاطعة. فرجل الدين الشاب المثير للم