الخطاب الديني في العصر الحديث له مصادر متعددة وله تجليات متباينة غير أن من أكثر تلك التجليات حضوراً وتأثيراً ذلك الخطاب الذي تعبّر عنه المؤسسات الدينية التقليدية كالأزهر في مصر و"هيئة كبار العلماء" في السعودية ونحوهما، والخطاب الآخر الذي تنتجه حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة "الإخوان المسلمين". المؤسسات الدينية أكثر عراقةً وأصدق تخصصاً في إنتاج الرؤية الدينية المستقلة التي تنطلق من المرجعية الدينية البحتة التي تعنى بإنتاج الأحكام الفقهية القديمة والمتجددة حسب آليات معروفة لكل مؤسسة أو ترسيخ الإيمان والعقيدة أو بث المواعظ في المناسبات، وهي غالباً ما تنأى بنفسها عن ممارسة السياسة أو الدخول فيها بشكل مباشر، أما خطاب الإسلام السياسي الذي تمثله جماعة "الإخوان المسلمين فهو خطاب معجون بالسياسية، متماهٍ معها، ينطلق منها ويعود إليها بحثاً عن مصالح حزبية وهيمنة سلطوية، ومن ثمّ يسعى جاهداً لتطويع الدين ليصبح معبراً عن مواقف الجماعة ورؤيتها، وهو خطاب لا يحفل كثيراً بالفقهاء، بل ولا المفكرين الإسلاميين من خارجه. أما الفقهاء فتاريخ "الإخوان" شاهد على فقرهم لفقهاء كبار وحين يجدونهم فهم في الغالب نشأوا خارج "الإخوان"، وإنْ التحقوا بهم في مراحل متأخرة لأسباب متباينة، وأما المفكرون فقد كانت الجماعة أضعف من أن تنتجهم فهي حريصة على مثقفٍ يخدم توجهاتها ويدفع باتجاه خياراتها بكل ما يمكن أن يحمله خطاب ديني من تأثيرٍ وتجييش، ولهذا فقد انحازت "جماعة الإخوان" لأديبٍ كسيّد قطب ليحشد لها الأتباع بخطابٍ أيديولوجي شديد الصرامة والحديّة، ولم تعبأ كثيراً بمثقفين آخرين من أمثال المثقف الجزائري الإسلامي مالك بن نبي بل إنها تجاهلت أطروحاته لفقدانها للصرامة الأيديولوجية التي تنفعها سياسياً. هذا لا ينفي وجود بعض الفقهاء لدى "الإخوان"، ولكنّ رغبة "الإخوان" في إنتاج فقيه من العيار الثقيل يكون هدفه خدمة الجماعة وخطابها وخياراتها لم تفلح كثيراً، إلا مع قلة من الأسماء أشهرها يوسف القرضاوي الذي تشرّب خطاب "الإخوان" باكراً وانخرط في نشاطات الجماعة، وهو أكثر من دافع عن تاريخها وخطابها ورموزها، ويمكن لقارئ شروحاته على خطابات البنّا وحواشيه على وصاياه أن يكتشف بسهولةٍ أنه أفقه من البنّا بكثيرٍ، ولكن عامل التاريخ وبنية الجماعة وقوّة الاعتقال الذهني والأيديولوجي لدى الجماعة حوّلته لمجرّد شارحٍ لعباراتٍ كتبها مدرس شاب. تطوّر القرضاوي فقهياً خارج المؤسسات التقليدية، وكان ذهنه منذ كان فتىً مشحوناً بأيديولوجية "الإخوان" الحركية، وقد تطوّر دوره وتأثيره عبر سياقات منحته استقلالاً ما عن الحاجة للمؤسسات الدينية التقليدية، وقد أخذ يرى في نفسه شخصاً مختلفاً وقائداً فذّاً وعقلاً فريداً، ومنذ برز لديه هذا الشعور فإنه لم يزل يصطدم بكل من يختلف معه، وزادته أحداث ما يسمّى بـ"الربيع العربي" شعوراً بالتفرّد، ولا ننسى اختطافه لمنصة ميدان التحرير بعد نجاح الاحتجاجات بمصر، وامتداداً لهذا فقد اصطدم بعددٍ من الدول العربية ودول الخليج، وسعى جهده للهجوم على المؤسسات الدينية العريقة في بلده كالأزهر ومؤسسة الفتوى، فقد خاض صراعاً مكشوفاً مع شيخ الأزهر أحمد الطيّب وهاجمه دون مبررٍ، ثم دخل في صراعٍ آخر مع مفتي مصر علي جمعة، وخلافه مع هاتين المؤسستين مبني أساساً على حركيته "الإخوانية" لا على رؤية فقهية مستقلة فصراعه مع الأول كان مدفوعاً باعتباره أنّ الأزهر مؤسسة فلولية تابعة للنظام السابق، فحاول الضرب فيها من هذا المنطلق، وصراعه مع المفتي انطلق من ذات الخلفية حيث أراد تجييش الناس لينحازوا لمرشح "الإخوان المسلمين" أثناء جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة بمصر، ولأنه أراد بوعي أن يخلط الدين بالسياسة ويستخدم الدين لدعم المرشح "الإخواني"، الذي أصبح رئيساً لمصر، فإنّ مفتي مصر تصدّى له ورفض أن يستغل الدين ويبتذل في صراعات السياسة. لقد تمّ التعرض بأشكالٍ متعددةٍ للقراءات البشرية للإسلام تلك التي تشكلت من خلالها الطوائف والمذاهب في التاريخ الإسلامي، إن من المستشرقين وإن من المفكرين العرب كالجابري وطه عبدالرحمن وغيرهما كثير، وقد فضل بعضهم استخدام تعبير الإسلام نفسه للحديث عن تصنيف قراءاته، فتبنّى المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي مشروعاً مهماً تحت عنوان عامٍ هو "الإسلام واحداً ومتعدداً"، وتوزعت إصدارات الباحثين الذين كتبوا عن "إسلام الفقهاء" و"إسلام السياسة" و"الإسلام العربي" و"الإسلام الأسود" ونحوها، كما كتب جورج طرابيشي كتابه الكبير "إسلام القرآن وإسلام الحديث"، ومن هنا فإن إسلام الحركات بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات والبحث. سينشغل "الإخوان" بتطوير خطاب ديني جديد ينسجم مع خيارات السلطة وتحدياتها وشروطها، ولكنّهم في الآن ذاته لن يتخلوا ولن يلغوا خطاب المعارضة التحريضي السابق، وسيبررون دينياً كل القرارات التي يتخذونها والسياسات التي يتبنونها من المعاهدات الدولية إلى السياسات الداخلية والخارجية إلى الخيارات الاقتصادية للدولة، وأكثر تلك القرارات والسياسات والخيارات كانوا يكفرون أصحابها حتى الأمس القريب، ومن جهة أخرى سيسعون لملاعبة المؤسسات الدينية الرسمية فيقتربون منها لتبرير أي خيارات حدية ستجبرهم عليها السياسة وسيهاجمونها حين تختلف معهم بهدف ترويضها واستتباعها. وصل "الإخوان" بعد شد وجذب شديدين للاعتراف بالدولة المدنية، وإن احتفظوا لأنفسهم بحق تفسيرها النهائي، وما ظهر حتى الآن يبين أنّ ما يصبون إليه، هو معنى آخر يختلف عن المعنى الحديث للدولة المدنية، وهم ينتظرون إقرار ذلك التفسير بعد الانتهاء من الصراع مع العسكر على صياغة الدستور، ولكنهم أبداً لم يتخلّوا عن شعاراتهم القديمة حيث "الإسلام هو الحلّ" و"تطبيق الشريعة" و"الإسلام دين ودولة" و"المؤامرة الغربية" وغيرها كثير، وهي شعارات لم تزل تتحرك جنباً إلى جنبٍ مع الشعارات الجديدة التي تستوجبها المرحلة حيث "العدالة" و"الحرية" و"الديموقراطية" و"حقوق الإنسان" وأمثالها. ستظلّ جماعة "الإخوان" طويلاً، وهي توازن الخطى في طرحها بين هذين الخطابين قديم متطرف راسخ وجديد أكثر انفتاحاً وقابل للتغيير في أيّ لحظةٍ ومرن في تقديم التبريرات الدينية لأشد ممارسات السياسة بعداً عن الدين. أخيراً، يبدو أنّ حاجة "الإخوان" الماسة وبخاصة الاقتصادية منها لإدارة الدولة تمنعهم من ارتكاب حماقات سياسية في المنطقة ليسوا مهيأين لها بعد، غير أنّ من الحصافة ألاّ يلدغ المؤمن من جحر مرّتين. عبدالله بن بجاد العتيبي Bjad33@gmail.com