مات إدوارد سعيد وترك من الأسئلة ما سيظل مفتوحاً ومعلقاً إلى مرحلة قادمة أو أخرى• بل لعلنا نقول إنه، في سيرته الذاتية، ترك أمثولة لعلها نموذجية على صعيد المثقفين العرب• فهو، كأمثولة، كان عليه أن يظل في حالة شبه دائمة من الترّحال من مدينة إلى أخرى ومن قارة إلى أخرى، بعد أن غادر مدينته القدس باتجاه أميركا• لقد عاش حياة تماهت مع عصر كان هو والاضطراب والصراع والقتال على أرض فلسطين، على موعد• كان ذلك بعد أن ظهرت قوى القهر وتبلورت في مشروع استعماري يخترق الشرق العربي، ويأخذ صيغتين اثنتين، واحدة تمثلت في معاهدة سايكس-بيكو ، وأخرى تجلّت في وعد بلفور.
ومع وضع فلسطين برسْم التسليم ليهود العالم بعد طرد سكانها الفلسطينيين العرب منها، كان على هؤلاء أن يتقبلوا مصيرهم، الذي أخذوا يدركون أنه مخضَّب بسيول من الدماء قد لا تنتهي في الأفق المنظور• عاش إدوارد سعيد خارج فلسطين وداخلها، مُرغماً في هذا وذاك على الانسياح في تيه عميق، أدرك أنه قد لا يرى نهاية له في حياته• وها هو مات، ولم يفلح في إنهائه• فهو، بمثابته واحداً من جيله، عاش أزمة عميقة بدأت بالكفاح، ويراد لها أن تنتهي -في اعتبارها الأعلى- بالنُّواح• لكن نجمة صغيرة أخذت تلوح في حياته وحياة جيله، مُعلنة أن القوة الغاشمة الصمّاء قد لا تنتصر دائماً، إذا أجمع شعب -حتى لو كان أعزل- على الدفاع عن حقه التاريخي، أي إذا أعلن هذا الشعب، بالقلب واللسان واليد، أن الحياة مساوية للموت، إذا اقتضى الأمر ذلك.
لقد عاش إدوارد سعيد تيهاً فكرياً عالمياً في تيه جغرافي عالمي، منطلقاً في ذلك من الأرض المقدسة ، التي أُرغم على افتقادها وعلى البحث عنها من خارجها• وإذا كان سعيد قد عاش في أميركا، أي في البلد الذي يعمل على تأييد احتلال فلسطين إسرائيلياً، فإنه كان يدرك أن الكفاح من أجل تحريرها أو تحرير الأراضي المحتلة منها، في أيدٍ أمينة، هي أيدي الشعب الفلسطيني، وبصورة أخص في أيدي الانتفاضيين• أما التّيه الذي عاشه الرجل فقد جاوز الأربعين عاماً، لكن دون أن تكون دائرة فتحه قد ولّت• وهكذا المثقفون العرب، الذين إذ يعيشون تيههم في قلب بلدانهم نفسها، فإنهم أخذوا أو أخذت جموع منهم تدرك أن إنهاء تيههم لعله يمكث في أيدي أولئك الانتفاضيين، على الأقل في البدايات الأولى من ذلك• في سياق ذلك، قد يكون أصبح وارداً أن يرى الباحث الأسئلة التي تركها إدوارد سعيد مفتوحة ومعلقة، حالة يقترن مصيرها بمصير الانتفاضة بمثابتها مدخلاً أو أحد المداخل إلى المشروع العربي النهضوي التنويري• ومن أجل تعميق هذا النظر، يغدو ضرورياً التدقيق في بعض تلك الأسئلة السعيدية، كي لا يقع المرء في عمى الألوان • أما أهم هذه الأسئلة فيظهر في الصيغة التالية: هل يمثل الغرب وجهاً واحداً ونسقاً واحداً ولوناً واحداً في موقفه من الشرق ، كما كان سعيد يعتقد؟ لن تكون الإجابة مستقيمة، إذا لم تأخذ بعين الاعتبار ما تمخض عنه الغرب في تظاهراته ضد الحرب على العراق• لقد تمخض عن أنه غربان اثنان أو أكثر• إن الوصول إلى مثل تلك الإجابة إذا ما وضع في إطار ما يحدث في الواقع الفلسطيني العيني، فإنه يقود إلى وضع اليد على ما قد يعتبر واحداً من أنماط انحسار التيه ، الذي عاشه إدوارد سعيد مع المثقفين العرب، بل مع الشعوب العربية• وهكذا، من الانتفاضة إلى الغرب الآخر ، نكون قد وصلنا إلى تخوم سعيد التي نقرؤها مستقبلياً.