يعاني المجتمع العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الصراع الأيديولوجي بين الماركسية والرأسمالية من ظاهرة بالغة السلبية هي هيمنة الفكر الواحد. ونعني بهذه الهيمنة سيادة الفكر الرأسمالي الليبرالي الذي يزعم دعاته أنهم يملكون الحقيقة المطلقة. ولم يعد هناك فكر آخر ماركسياً كان أو اشتراكياً يرتكز إلى قطب دولي كالاتحاد السوفييتي السابق، لكي ينقد هذا الفكر الواحد ويكشف زيف كثير من مسلماته. ويبدو أن المزاج الفكري العالمي أصبح مضاداً لهيمنة فكر واحد أياً كان توجه هذا الفكر. وهذا الاتجاه يمكن فهمه في ضوء خبرة القرن العشرين الذي شهد أكبر جدل أيديولوجي بين الشيوعية التي زعمت أن لديها الحل لكل مشكلات البشر، والرأسمالية التي ادعت أنها تملك الحل السحري لكل قضايا الإنسان المعاصر. وقد أحست دوائر متعددة في النخب الفكرية وكذلك الأوساط الجماهيرية في كل أنحاء العالم، أن النظم السياسية والمجتمعات المعاصرة لا ينبغي أبداً أن تخضع لإرهاب مذهب فكري واحد يزعم أن لديه الحل لكل المشكلات، لأن الخبرة التاريخية أثبتت استحالة انفراد تيار فكري واحد أياً كان بحل كافة مشكلات البشر. وأكثر من ذلك فإن انفراد تيار أيديولوجي واحد بالتشريع الفكري معناه عملياً إقصاء باقي التيارات الأيديولوجية من الساحة، وهكذا تحرم المجتمعات من ظاهرة التنوع الفكري والتي من شأنها أن تثري الخبرة الإنسانية بحكم إمكانية التأليف الخلاق بين متغيرات كانت تبدو من قبل متناقضة، وأبرزها أهمية صياغة معادلة إنسانية جديدة لا ترى تناقضاً بين الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية. أردت من هذه المقدمة أن أثير المشكلة النظرية والعملية التي تواجه المجتمع المصري في الوقت الراهن. وأعني على وجه التحديد سيادة فكر التيار الديني وعلى وجه الخصوص فكر جماعة "الإخوان المسلمين" مؤيَّدةً بالتيار السلفي. وهذه السيادة التي اتخذت شعاراً لها منذ سنوات هو "الإسلام هو الحل"، تبدو مخاطرها في إقصاء باقي التيارات الفكرية وحرمان المجتمع من الحوار الإيجابي الفعّال بينها، مما يؤدي إلى نتائج إيجابية بالنسبة للتنمية المستديمة وللتقدم الإنساني بوجه عام. وزاد من خطورة هذا الصعود للتيارات الدينية أن أحزابها السياسية وفي مقدمتها حزب "الحرية والعدالة" وحزب "النور" السلفي، استطاعت في انتخابات ديموقراطية نزيهة وشفافة أن تحصل على الأكثرية في مجلسي الشعب والشورى. وقد ظهر من الممارسة العملية في مجلس الشعب أن هذه التيارات الدينية، استناداً إلى أكثريتها، بدأت في التشريع الفكري وفقاً لهيمنة فكرها الواحد الذي تؤمن به، ومن هنا شرعت في تغيير بعض النظم والمؤسسات القائمة حتى تصبغها بصبغتها الأيديولوجية. بعبارة أخرى نحن الآن في مصر نواجه، خصوصاً بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى -الرئيس السابق لـ"حزب الحرية والعدالة"- رئيساً للجمهورية، مخاطر أسلمة الدولة وأسلمة المجتمع، وفقاً لتوجهات جماعة "الإخوان المسلمين" والتيارات السلفية. ولعل هذا الاتجاه يفسر التعنت الشديد لجماعة "الإخوان المسلمين" في تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور الأولى التي حكم ببطلانها القضاء الإداري، وفي تكوين اللجنة التأسيسية الثانية التي انسحب منها عديد من الأحزاب السياسية والشخصيات العامة بعد قسمتها قسمة شاذة بين تيارات مدنية وتيارات دينية مع الحرص على سيطرة جماعة "الإخوان المسلمين" على التشكيل، مما يشي بالرغبة العارمة في السيطرة على عملية صياغة الدستور حتى تتحكم في اتجاهاته الأساسية وفقاً للفكر الواحد الذي تؤمن به. ومعنى ذلك الإقصاء القسري لباقي التيارات الفكرية لكي لا تشارك في صياغة الدستور، حتى يكون ملبياً لمطالب كل فئات المجتمع المصري ومعبراً عن كل أطيافه السياسية. وجماعة "الإخوان المسلمين" التي تؤمن بهيمنة الفكر الواحد، تدخل الآن بعد انتخاب الرئيس مرسي في مواجهة حادة مع سيطرة الأمر الواقع! والأمر الواقع يتمثل في المشهد السياسي الذي برز بعد ثورة 25 يناير، وخصوصاً بعد إجبار "مبارك" على التنحي وتسليم السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وقد حاول هذا المجلس العسكري، والذي لا تتوافر في أعضائه بالضرورة خبرات سياسية عميقة بحكم التكوين العسكري الاحترافي للضباط، والذين لا يعملون -بحسب التعريف- بالسياسة، أن يخوض غمار محيط السياسة الانقلابية الثورية بعد 25 يناير. وكان من الطبيعي أن يواجه عقبات وتحديات لا حدود لها، وأهم من ذلك أن يرتكب أخطاء سياسية سواء في مجال التحالفات الخفية التي أقامها مع بعض التيارات السياسية وأبرزها جماعة "الإخوان المسلمين"، أو في خضوعه -أحياناً- لخطوات دستورية غير مدروسة، وأشهرها جميعاً الاستفتاء حول الدستور أولاً أو الانتخابات أولاً. وقد جاءت نتيجة الاستفتاء في صف الانتخابات أولاً، بدعم قوي للغاية من جماعة "الإخوان المسلمين" التي تبنت هذا الخيار السياسي بزعم أن من يقولون نعم هم أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن من يقولون لا آثمون بالضرورة! ووصلنا بعد هذا المسار المتعثر إلى انتخابات لا شك في نزاهتها، لكنها -نظراً لسمات الثقافة السياسية السائدة المتخلفة- أدت عملياً إلى حصول جماعة "الإخوان المسلمين" والتيارات السلفية على الأكثرية في مجلسي الشعب والشورى. وحين حكمت المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشعب اتجه المجلس الأعلى للقوات المسلحة -سعياً منه إلى التوازن بين السلطات- إلى إصدار إعلان دستوري مكمل حتى يضمن انتقال سلطة التشريع إليه بعد بطلان مجلس الشعب. وهكذا حين أنتخب الدكتور محمد مرسى رئيساً للجمهورية اعتبرت الجماعة وائتلافات ثورية أخرى أن الإعلان انتزع منه صلاحيات متعددة، وأنه مقيد عملياً في ممارسة سلطاته كرئيس للجمهورية. وفي مواجهة ضغوط الشارع السياسي من ناحية، ونصوص الإعلان الدستوري المكمل من ناحية أخرى الذي ينص على أن يحلف رئيس الجمهورية اليمين أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا، اضطر الدكتور مرسى إلى اتباع بعض المناورات السياسية. وأبرز هذه المناورات هي توجهه أولاً يوم الجمعة إلى ميدان التحرير ليحلف اليمين أمام الجماهير، ثم يذهب ثانياً يوم السبت ليحلف اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا، ويتوجه ثالثاً إلى جامعة القاهرة لكى يحلف اليمين مرة ثالثة أمام جماهير واسعة من النخبة، بعد أن دعا أعضاء مجلس الشعب الباطل للحضور وكذلك أعضاء مجلس الشورى. وهكذا يمكن تلخيص المشهد السياسي الراهن في مصر في كلمة واحدة، وهي بروز مخاطر هيمنة الفكر الواحد لـ"الإخوان المسلمين"، والمناورات السياسية التي يقوم بها رئيس الجمهورية للتعامل مع الأمر الواقع، والذي يتمثل في سيطرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على المرحلة الانتقالية الجديدة، التي ستمتد حتى الانتهاء من وضع الدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات التشريعية الجديدة.