أصبح الاختطاف في العراق مهنة من لا مهنة له، ولا يتطلب الأمر أكثر من ملابس تنكرية وواجهة إعلامية "براقة": الجيش الإسلامي في العراقي، جيش تحرير العراق، مجاهدو العراق. أسماء لا تحمل ملامح محددة، وسلاح وكاميرا فيديو، وبالطبع ضحية مختطف: سائق حافلة أو صحافي أو عامل إغاثة، ويبدأ التصوير فالمونتاج وعندها يصبح الشريط جاهزاً للعرض، وبالطبع إلى قناة "الجزيرة". سيناريو يتكرر وسيتكرر، فالأدوات بسيطة، ولا ننسى أن لكل خاطفي الرهائن مطالب، وحتى يكتمل السيناريو مهلة ثمانٍ وأربعين ساعة وتحذير. وهذا الأسبوع تكرر السيناريو الكريه، وظهر لنا الخبر العاجل باختطاف الصحفيين الفرنسيين، "جورج مالبرونو" و"كريسيتان تشينو"، ومن مطالبة الدول بسحب قواتها إلى مطالبة الشركات بغلق مكاتبها.
جاءت مطالب الخاطفين هذه المرة لا علاقة لها بالعراق ولا بأرضه، فالخاطفون يطالبون فرنسا خلال مهلة تنتهي مساء الاثنين ومددت لأربع وعشرين ساعة أخرى، وطالب الخاطفون بإلغاء قانون منع الحجاب في المؤسسات التعليمية والحكومية. وكانت قناة "الجزيرة" قد بثت السبت الماضي مقطعين سريعين من شريط فيديو يظهر فيه الصحافيان وهما يعلنان أنهما محتجزان لدى مجموعة "الجيش الإسلامي في العراق" ودعا الخاطفون الحكومة الفرنسية إلى الرد على مطالبهم من دون توجيه تهديدات تمس حياة الصحافيين بشكل مباشر، وتركت النهاية مفتوحة بيد قطاع طرق وقتلة حولوا العراق إلى مسلخ تتطاير على أرضة رؤوس الأبرياء باسم الإسلام.
أخبار تستعصي على الفهم رغم الانغماس في متاهات السياسة، هل أسميه غباءً سياسياً؟ أم مجرد عبث باسم الإسلام ؟ أين هي الأجندة السياسية لما يسمى بـ"الجيش الإسلامي في العراق"؟ فعلى أرض العراق استهدفت عمليات الخطف الأخرى دولا لها قوات أو مصالح اقتصادية في العراق. بيد أن اختطاف الصحافيين الفرنسيين يمثل خروجاً على هذا السياق، فالموقف الفرنسي من الحرب على العراق معروف من البداية ولا توجد قوات فرنسية بالعراق حتى يطالب الخاطفون بسحبها. لو افترضنا المنطقية في تصرفات الخاطفين الخارجة أساساً عن كل منطق، فأن تحشر قضية فرنسية داخلية في المستنقع العراقي وأوحال قطاع الطرق فهو من أعاجيب الزمن العربي وخاصة أن ما يسمى بجماعة "الجيش الإسلامي في العراق"، قد أعلنت مسؤوليتها عن مقتل الصحفي الإيطالي "اينزو بالدوني" بعد خطفه في وقت سابق الأسبوع الماضي. فلا مواقف رئيس الوزراء الإيطالي "سيلفيو برلوسكوني" تبرر بأي حال من الأحوال استهداف المواطنين الإيطاليين وخاصة الصحافيين، ولا مشاركة القوات الإيطالية في القوة المتعددة الجنسية تبرر الاختطاف للضغط على الحكومات. فأي أجندة سياسية تمر على جثث الصحافيين؟ وكيف تستقيم الرؤية في حالة اختطاف الصحافيين الفرنسيين؟ فالذريعة السابقة لا تصلح، فلجأ قطاع الطرق إلى ذريعة جديدة وواجهة إعلامية براقة وهي الحجاب في فرنسا وقانون منع المظاهر الدينية في المدارس الرسمية. عنوان غريب فأي منطق هذا الذي يربط سياسات الدول بمصائر رعاياها وأي خلط للأوراق هذا، حقاً من العبث محاولة فهم عبثية الاختطاف هذا.
ومن عبثية المشهد العراقي إلى فرنسا ومن جديد يجد مسلمو فرنسا أنفسهم في موقف المدافع عن الإسلام، وعن انتمائهم إلى فرنسا ففي تحرك سريع أكد رئيس المجلس الإسلامي بفرنسا على أن الجالية الإسلامية في فرنسا بريئة تماماً مشدداً على ضرورة ألا يحدث أي خلط بين الجالية وهذا الابتزاز. واستمرت الجالية المسلمة في فرنسا في الإعلان عن طريق كافة ممثليها، بما في ذلك المعارضون للقرار، رفضها واستهجانها الشديدين، لخلط الأوراق العراقية بقضية داخلية فرنسية، وشنت باريس حملة دبلوماسية واسعة لإطلاق سراحهما، وتواصلت طوال الأسبوع ردود الفعل العربية والدولية المنددة بهذه العملية. فإن كنا قد استنكرنا موقف الحكومة الفرنسية فمن ناحية حرية الممارسات الدينية بالمطلق للمسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم، وخاصة أن الأزهر اعترف للحكومة الفرنسية بحقها في حظر ارتداء الحجاب في المدارس العامة والجامعات كشأن داخلي بحت.
شاهدان على أحداث العراق صحافيان عرف عنهما دعمهما للقضايا العربية وحياديتهما. ستنتهي اليوم المهلة الثانية لخاطفي الرهينتين وعلى أمل أن تكون الضغوط العربية والإسلامية مجدية، سيبقى الاختطاف فعلاً شنيعاً، والأشنع منه أن يترافق مع اختطاف للقلم.