يحاول مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا، كوفي عنان، الهروب إلى الأمام، وبدلاً من إعلان فشله في إيقاف المذابح وحمامات الدم الجارية هناك، يحاول أن يحمي دول الجوار من آثار الحرب في سوريا، ويطوق تلك الحرب بدلاً من إخمادها. والحقيقة أن خطة عنان، منذ البداية، في موادها الست لم تكن قابلة للتنفيذ. فالخطة التي نصت على وقف إطلاق النار، وانسحاب قوات الأسد من المدن إلى الضواحي لم تكن لها ناب يستطيع بموجبها مجلس الأمن معاقبة القوة التي تكسر إرادة المجلس وتواصل إطلاق النار. وهو ما دفع كتائب الأسد إلى زيادة هجومها على المدن السورية واقتراف مذابح كبرى في الحولة والقبير وغيرها من القرى والمدن السورية. وهكذا قاد فشل مجلس الأمن في إيجاد حلّ سريع للأزمة السورية عنان إلى زيادة رحلاته المكوكية إلى المنطقة، ومحاولة إنشاء هيكل بديل للمجلس من خلال ما سمّي بمؤتمر الدول الإقليمية كي تحمي هذه الدول نفسها من انتشار العنف خارج حدود سوريا، وكي لا تلتهم هذه الدول أيضاً سوريا بعد سقوط حكومتها المحتمل، أو محاولة تقسيمها إلى مناطق ذات انتماءات طائفية. وبدلاً من صياغة تفاهم معيّن بين الولايات المتحدة وروسيا حول مصالح روسيا المستقبلية في ذلك القطر، وبالتالي موافقة روسيا على الإطاحة بالأسد وزمرته التي تقترف الجرائم، نجد أن الأمين العام للأمم المتحدة السابق يحاول إيجاد صيغة تفاهم إقليمي بين دول الجوار، في الوقت الذي تدعم فيه إيران وأصدقاؤها كتائب "الأسد" بالمال والسلاح، وغيرها من مصادر الدعم اللوجستي والمعنوي. وفي الوقت الذي يتقاعس فيه مجلس الأمن من القيام بواجباته السياسية والإنسانية تجاه الشعب السوري، فإن مسؤول الأمم المتحدة لحفظ السلام "هيرفيه لادسو" أعلن أن الحكومة السورية قد فقدت السيطرة على أجزاء مهمة من الأراضي السورية لصالح المعارضة، وهو ما يدفع كتائب الأسد إلى اللجوء إلى العنف المفرط ضد المدنيين، بما في ذلك استخدام الطيران، لقصف المدن والمناطق السكنية في حمص وحماة والرستن وغيرها من المدن السورية. كما لجأت القوات السورية أيضاً إلى حرق الغابات والأحراش المتاخمة للحدود التركية لمنع وصول الإمدادات إلى المقاومة السورية. والحقيقة أن الأرقام المعلنة كتعداد للضحايا السوريين تشير بوضوح إلى فشل مهمة عنان في كبح جماح العنف، بل ربما زادت هذه المهمة من حدة حرب الحكومة ضد المعارضة، وضد المدنيين. وحسب الإحصاءات المعلنة، فإن عدد ضحايا الحرب الحكومية ضد الشعب السوري قد وصل إلى ثلاثة عشر ألف قتيل منذ اندلاعها قبل عام، وأن حوالي ثلاثة آلاف قتيل مدني قد لقوا حتفهم فقط منذ صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وإرسال عنان في مهمته الدبلوماسية إلى سوريا. وتقول الأنباء إن تعداد الجيش السوري الحر قد يصل إلى سبعين ألفاً، غير أن تسليح هذا الجيش تسليح خفيف، ولذلك فهو يهاجم بعض القواعد العسكرية مثل القاعدة الجوية في منطقة "الغنطو" بريف حمص، ويسيطر على كتيبة صاروخية للدفاع الجوي، غير أن مثل هذه السيطرة مؤقتة، فهذا الجيش يستطيع أن يقاتل حرب عصابات، ولكنه لا يستحوذ على أسلحة ثقيلة قادرة على قتال جيش الأسد المدعوم بالأسلحة الروسية الثقيلة. وربما كان ضعف الجيش الحر هو نقطة قوته، فتسليحه الخفيف يضمن له سرعة الحركة والانقضاض على خطوط إمداد "الشبيحة" وكتائب الأسد، وبالتالي إنهاكها، وإذا ما صدقت مقولة مسؤول حفظ السلام الأممي بأن سوريا قد دخلت مرحلة الحرب الأهلية، فإن مثل هذه الحرب ستكون منهكة اقتصادياً لحكومة ونظام الأسد. وفي ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها فإن مثل هذه الحكومة ستسقط إن عاجلاً أو أجلاً بسبب الإنهاك الاقتصادي المطبق على البلاد. والغريب أن الأسد وكتائبه لا يعترفون بمثل هذا المصير بل يمارسون سياسة الأرض المحروقة وقتل المدنيين عبر مجازر مبرمجة لإخلاء المدن السورية خاصة الساحلية منها، وكذلك المناطق الزراعية بحمص من سكانها الأصليين، لضمان إقامة نظام طائفي فيها، حال انهيار الحكومة المركزية في دمشق وضمان وجود خزان غذائي داخلي يمد المناطق الساحلية باحتياجاتها من المواد الغذائية. غير أن مخططات الأسد الطائفية لن تنجح، فهناك أحرار علويون أعلنوا انضمامهم للجيش السوري الحر، ومن أبرز هؤلاء المقاتلين الشرفاء المقدم أحمد حرفوش، وهناك كتيبة علوية كاملة تابعة للجيش الحر، كما أن هناك كتائب كردية ودرزية تقاتل دفاعاً عن حرية بلادها. ويكفي المقاومة السورية فخراً في انفتاحها أن الرئيس الجديد للمجلس الوطني السوري، عبدالباسط سيدا، هو شخصية وطنية كردية مستقلة. ولذلك فإن أهم اختبار للمقاومة السورية هو كونها مقاومة وطنية لا تعترف بالطائفية أو المذهبية، بل تقاتل من أجل بناء وطن سوري عربي مستقل. أما مجلس الأمن فقد أعلن فشله وفشل جهوده الدبلوماسية، حين حالت كل من روسيا والصين دون صدور قرارين مهمين ما كان كفيلاً بإتاحة فرصة ذهبية لوقف نزيف المدنيين في هذا القطر العربي المنكوب. بل إن مجلس الأمن لم يستطع إدانة كتائب الأسد بسبب قصفها لمواكب تابعة للمراقبين الدوليين الذين جاءوا إلى بلدة الحفة ولم يمكنوا من دخولها، كما منعوا من دخول منطقة الحولة إلا بعد ثلاثة أيام من وقوع المجزرة. سمعة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تعد مشرقة مثلما كانت عليه من قبل، وقد ازدادت قتامتها بسبب فشلها الذريع في الوقوف إلى جانب الشعب السوري، ومنع حدوث المذابح الرهيبة التي يقترفها النظام السوري ضد أبناء شعبه.