لم يكن الفأر كما تتهمه الروايات هو المتسبب الأوحد في انهيار سد مأرب، حمل المهاجرون اليمنيون ما امتدت إليه أيديهم من متاع وانتشروا في الأرض، حملوا مشاعل النور والفكر والعلم ليكون اليمنيون بناة حضارات ومجد في كل بقعة عربية. جريان الماء وانهيار الصخر، أخرج اليمنيين ضاربين في الأرض باحثين عن مغزل لينسجوا عليه حرير حياة العز، ومزماراً يعزفون عليه لحناً جديداً للحياة. يخرج العم ناصر زفرة ساخنة يمتد فيها خيط اللهب كما هو مرسوم خارجاً من فم التنين، فوق واحدة من علب منتجاته الطبية التي يبيعها لكبار السن من العرب الباحثين عن القوة الجنسية، وعلاجات تساقط الشعر، وتبييض البشرة وشد الوجه، ومبطلات السحر.
بقالة أو صيدلية العم ناصر في الشارع العربي المكتظ بالسياح في العاصمة التايلندية "بانكوك"، معلم لا يمكن أن تخطئه العين، وتجبرك على ارتياده رائحة البخور، واحتراق لبان ظفار. يشخـّص العم ناصر المرض ويخلط الأدوية العشبية ويصنع علاجاته، وهي كما يؤكد ذات مفعول أكيد، وباليد الأخرى يتحسس أوراق النقد التايلندية الجديدة دوماً ويسأل مساعده التايلندي عنها بعد أن ضعف بصره منذ أعوام.
يقول العم ناصر: رحلتي مع الغربة بدأت مع ذلك الانهيار، لا أقصد انهيار السد، ولكن الانهيار الأخلاقي في تعامل الناس عندما يغيب أو يمتهن القانون، لقد استولى بعض المتنفذين على قطعة أرض كنت أملكها، ولم أستطع الحصول على حقي الشرعي فيها، فتركت صيدليتي وحملت حقيبتي ميمماً شطر الدنيا، فذهبت إلى أميركا ولم يستقر بي فيها المقام، وذهبت إلى دبي وكدت أستقر ولكن القدر كان يرسم لي مسارات أخرى، وحطت بي رحلة مجنونة في باريس وبعدها وجدت نفسي في إيطاليا وألمانيا، ولكن حنيناً آخر شدني إلى الشرق، وفي "شنغهاي" عرفت الكثير عن ثورة "ماو" وعن الشعب الصيني وعن الطب الصيني والتداوي بالأعشاب والإبر الصينية. وأخيراً وقبل أكثر من عقدين من الزمان وجدتني في هذه الأرض فعاشرت أهلها وخبرتهم، وتزوجت منهم وشعرت بالأمان والأمن بينهم، ولا أخفيك أنني غير نادم على مغامرتي هذه، لقد أصبت بالإحباط من كل ما يجري في الوطن العربي. في تايلند توجد جالية عربية ليست بالكبيرة، يعمل جلها في مجالات التجارة والخدمات السياحية والمطاعم، ويمكنك أن تأكل ألذ الأطباق اليمنية والمصرية والعراقية في هذه المنطقة المسماة بشارع العرب. ويضيف العم ناصر، هل تعرف أن عرباً من الخليج يقيمون هنا بصفة دائمة ويمارسون التجارة والبيع والشراء مثلهم مثل أي مواطن تايلندي؟
من المفارقات العجيبة يقول العم ناصر، أن تشعر بالأمان وأنت في الغربة وأن تفتقد الأمان وأنت في الوطن. حديث العم ناصر يفتح بوابة الحزن والألم على مصراعيها وأنت تشاهد مئات الآلاف من العرب المبدعين موزعين على خريطة الدنيا، بعضهم يتسول على الأرصفة وهو قادم من وطن تسرق الملايين من دولارات نفطه، وبعضهم يبحث عن مأوى للعجزة وهو قادم من وطن تقام فيه حفلة طهور أو زفاف بمليون جنيه إسترليني بينما لا يجد هذا العربي فرصة للعمل كأجير أو حتى خفير. عربي آخر يعمل في حقل لجمع البرتقال جاء من وطن كان يمتلك فيه "بيارة" برتقال ولكنها سرقت منه عنوة. عربي آخر يعمل ماسحاً للأحذية بينما كان النهر الذي يروي مزرعته تعيش فيه تماسيح يصنع من جلدها أغلى حذاء، ولكن التماسيح البشرية القابضة على سدة الحكم أورثته الفقر والعوز وقلة الحيلة.
سيدة في الخمسين تعمل في مشغل للخياطة في دولة أوروبية كاد بصرها يكف وعمودها الفقري تتهتك فقراته وهي قاعدة على ماكينة الخياطة، تحيك قمصاناً ترسل مغلفة في ورق فاخر ليرتديها تاجر سلاح أو تاجر نساء أو مهرج كوميدي على مسرح الحياة في دولة عربية يجوع نصف أهلها إن تعذر وصول باخرة القمح القادمة من أميركا لأسبوع واحد فقط.
نحن لا نتحدث عن الطيور المهاجرة من أصحاب الكفاءات التي تتلقفها الجامعات والمستشفيات والشركات الكبرى، حيث توضع ميزانيات مرعبة لاستيعاب العقول العربية المهاجرة والباحثة عن فرصة عمل والباحثة عن فرصة للحياة.
إن موضوع الهدر في العقول العربية موضوع شائك ومعقد، وحاولت جاهداً أن أقدم فيه رؤية مختلفة من خلال برنامجي التلفزيوني "الطيور المهاجرة"، وهي رؤية كانت تستهدف توثيق وشرح إبداعات العرب المهاجرين في دول العالم، ووضع أسس لبنك معلومات بالصورة والصوت ليستفاد منه في سهولة الوصول إلى أصحاب الإبداعات، ولكن تجربة الطيور المهاجرة أجهضت.
العرب البسطاء يقول العم ناصر، وأصحاب المؤهلات المتواضعة تمنحهم دول المهجر الفرصة لإثبات الوجود والانطلاق في الحياة دون عقبات. أنا وزوجتي التايلندية قررنا الاستفادة من مؤهلاتي وخبراتي الصيدلانية، ففتحنا متجرنا هذا وقمنا بتصنيع الكثير من المستحضرات الطبية ومواد التجميل التي تحمل اسم زوجتي المسلمة "فاطمة". دخلنا من هذا العمل كبير والخالق عز وجل يوسع علينا في الرزق ونقدم خدمات علاجية يستفاد منها بشكل إيجابي، ومع ازدياد عدد القادمين من الدول الخلي