عندما يتحطم هيكل "ديفيد إيستون" للنظام السياسي في سوريا، يسقط النظام وتسقط شرعيته المؤسسة لهيكل النظام السياسي. فإيستون مفكر ومحلل سياسي أميركي صاحب النموذج التحليلي الشهير لتحليل النظم السياسية المعروف باسم "نموذج المدخلات والمخرجات"، وهو النموذج الأكاديمي الذي يدرس تقريباً في كل جامعات العالم، والذي يصور العلاقة الطبيعية المتمثلة في وظيفة النظام السياسي داخل المجتمع. فهيكل "ديفيد إيستون" يقوم على قدرة النظام السياسي على استيعاب وتلبية مطالب الشعب، تلك المطالب التي لابد أن يحولها النظام السياسي إلى مخرجات وقرارات وسياسات تخدم مطالب وتطلعات الشعب من خدمات وأمن وتطور وعدالة. ماذا يحدث في حالة عجز النظام السياسي على تلبية مطالب البيئة الداخلية، والتي يحيى فيها والممثلة بالمجتمع والإقليم بالدرجة الأولى؟ بكل حتمية في النتيجة، فإن النظام يهوي من الأعلى إلى الأسفل في سقوط مدوي بانقلاب عسكري أو ثورة ضده. ففي حالة استثنائية بالشرق الأوسط، فإن نظام "البعث" السوري كما حدث مع نظام القذافي يتحول فيها النظام السياسي إلى عدو لشعبهِ بل للإنسانية، للحفاظ على السلطة ومكاسبها المادية والمعنوية رغم الصدام الدموي مع إرادة الشعب، وأيضاً رغم العجز عن تحقيق الشرعية من الانجاز والعدالة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، الذي يمثل أساس البيئة الداخلية التي يحيى فيها النظام السياسي بحق، إنها حالة تتجاوز ما فعلتهُ إسرائيل بغزة حيث تعتبر إسرائيل الفلسطينيين أعداء لها وأساساً في مدخلات الهيكل السياسي لكسب الشرعية من شعبها وبذلك يرسخون هوية المجتمع الإسرائيلي بهويتهِ اليهودية. ذلك يعني بأن النظام السوري عدو نفسهِ أي شعبهِ أولاً والإنسانية ثانياً. أي عقل أو منطق يستطيع استيعاب نظام سياسي يحارب شعبهُ ويفضح ديكتاتوريتهُ بجرائم مصورة للعالم، إنهُ نظام ساقط. لقد تجاوز "البعث" السوري في جرائمهِ كل ما تستطيع الدول تحملهُ فأتت الدول من غرب وشرق تستنكر تلك الجرائم وآخرها مذبحة "الحولة"، فقد طال الاستنكار طرد السفراء والدبلوماسيين السوريين، أي طال أبسط علاقات الاعتراف بالنظام السياسي الحاكم لسوريا. اليوم طريق بقاء نظام الأسد مفروش بدماء الشعب، ولا يستطيع أن يبقى ما دامت تلك الدماء تهز الإنسانية بدولها ومنظماتها وهيئاتها وتهز أولاً الشعب السوري نحو عزيمة تأتي بإسقاط النظام. إذا كان الجسد السوري "الشعب السوري" يرفض بقاء الروح المجرمة فيه فلماذا يبقى الدعم الدولي والإقليمي لهُ؟. حقيقةً يكتب النظام السوري نهايتهُ بجرائمهِ، بل لقد ترك "البعث" السوري حلفاءهُ على المستوى الدولي "موسكو وبكين" في موقف يجعلهما تراجعان سياستهما الداعمة لبقاء النظام. كان واضحاً كل الوضوح تغير الموقف الروسي، ولو بشكل بسيط لكن هذا التغير مهم جداً. فبعد جريمة "مذبحة الحولة" اتهمت روسيا "الطرفين" النظام السوري والمعارضة، بالضلوع في مجزرة الحولة التي راح ضحيتها 108 قتلى على الأقل بينهم 49 طفلاً، مشددة على إنها لا تدعم نظام بشار الأسد وداعية في الوقت نفسه الدول العظمى لتركيز جهودها على وقف دوامة العنف في هذا البلد عوض السعي لتغيير نظامهِ. ومن المتوقع أن تقود هذه الجرائم، والتي يستخدم فيها النظام السياسي السوري القوة العسكرية المفرطة ضد المدنيين إلى لقاء مهم بين واشنطن وموسكو، يتم فيه تلاقي الهدف في إسقاط النظام السوري مع تقديم واشنطن وعوداً لروسيا في أن تظل سوريا منطقة نفوذ لروسيا كما كانت، بهذا فقط ستوافق روسيا على صنع تابوت لنظام بشار "البعثي"، كما أن بكين أدانت جريمة "الحولة" ووصفتها بـ"القتل الوحشي" للمدنيين وأضاف الموقف الصيني أن الوقف الفوري للعنف في سوريا لا يحتمل التأجيل. رغم أن النظام "البعثي" بجرائمهِ وبإفراطهِ في استخدام القوة العسكرية ضد المدنيين من شعبهِ، غير من العلاقة الداعمة له من موسكو وبكين بصورة تعكس أنهُ قد يخسر حلفاءهُ للأبد، فإن الموقف الإيراني يأتي بتلفيقات لايقبلها المنطق، وهي أن الغرب يريد انتشار الفوضى في سوريا. فطهران تنسب جريمة "مذبحة الحولة" إلى الإرهابيين والتدخل الأجنبي بالوقوف وراء المجزرة، وتستخدم إيران عبارة "الإرهابيين" للإشارة إلى المعارضين المسلحين في سوريا. يأتي هذا الموقف الإيراني في ظل صدور اتهامات من عواصم غربية لطهران بدعم دمشق بالأسلحة والأموال، كما أن المعارضين السوريين يتهمون طهران بإرسال عناصر من حرس الثورة الإسلامية لدعم النظام، وهو ما تحاول طهران نفيهِ. لعل طهران لا تستطيع ترك النظام السوري، وهي بذلك تتلطخ بدماء الشهداء والأبرياء، وتلك الأيدي يأخذ عليها بأن أعمالها وتوجهاتها السياسية الحالية والمستقبلية، والتي لا تخدم السياسات الدولية المسلم بها، والتي تتحدد عبر سياسات الدول التي تدعم الاستقرار والأمن الدوليين وتحترم الإنسان وحقوقهُ. إذا كانت أيدي النظام الإيراني ملطخة بدماء الشعب السوري، فإن "حزب الله"، ورغم إدانتهِ للمجزرة غير الموجه للنظام، إلى أنه قد شارك النظام السوري في ضرب المقاومة السورية، والتي حققت نصراً على "حزب الله"، بسقوط أسرى بيدها، فموقف "حزب الله" موقف يساق مع حليفهُ الإيراني و"البعثي" نحو خسارة أي شعبية له في لبنان والوطن العربي. أما العراق بقيادة المالكي فإنه لا يملك من موقف تجاه النظام السوري سوى موقف إيران، بل يطرح المالكي أبعاداً طائفية بين السُنة والشيعة سوف تأتي من دمشق إلى بغداد، والمالكي بموقفهِ الذي سيسجلهُ التاريخ يعبر على أن العراق سيعارض بقوة تطبيق السيناريو اليمني في سوريا وسيتحرك في الأيام المقبلة لتقويض هذا السيناريو، بسبب قناعته (أي المالكي) بأن الأسد سينتصر في أية انتخابات رئاسية تتم في سوريا بإشراف من الأمم المتحدة. إذا كان الحلفاء الإقليميون لـ"البعث" السوري من طهران وبغداد و"حزب الله" في مسار "البعث" السوري، يتورطون في كل يوم من أيام إسقاط النظام السوري، فإن الحلفاء من الدول الكبرى روسيا والصين بدأ لهم طريق إلى الوراء، إلى ترك النظام السوري يواجه العدالة الدولية ولو بقيادة الدول الكبرى والإقليمية كتركيا والدول العربية الفاعلة. فمجزرة الحولة التي أبكت العالم لا بد وأن تحرك المجتمع الدولي نحو إسقاط النظام الذي سقط حقاً في هيكل/نموذج إيستون لطبيعة ودور النظام السياسي. قريباً سيكون هناك توافق ولو براجماتي بين واشنطن وموسكو وبكين والدول الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط نحو إسقاط النظام "البعثي" بعملية عسكرية أو سياسية.