لا زال النقد بين صحافتنا العربية بتوجهاتها المتصارعة، قائماً على أشده• فالبعض منها يتهم البعض الآخر باستغلال ميول الغوغاء وتوجهاتها المنحرفة، واللاعقلانية، والعزف أحياناً على الوتر الديني الحساس، والسعي إلى تأجيج وتعميق الصراع بين هذه الغوغاء من جهة والغرب وإسرائيل من جهة ثانية• أما هؤلاء فيردون ضمناً على أولئك بالقول إن الصحافة في العالم، منذ نشأتها كانت ولا تزال على الدوام إلى جانب الجماهير التي يسميها الطرف الآخر بالغوغاء، أما الصحافة التي أرادت أن تجعل من نفسها نخبوية متعالية على الجماهير وعلى همومها وتوجهاتها، فكان مآلها اخفاقاً مدوياً في جميع التجارب• لأنها ببساطة تحاول التعبير عن واقع لاوجود له إلا في أذهان أقلية نخبوية، غالباً ما تحركها مصالح ومطامح أنانية مجردة•
ثم يرد الفريق الآخر قائلاً إن الوظيفة الوحيدة للصحافة ليست هي نقل الواقع والتماهي مع التوجهات ذات الرواج الشعبي، وإنما أيضاً تمحيص وتصحيح وترشيد ميولات الرأي العام وتصوراته حول قضايا المرحلة التي تشغل اهتمامه، أما تحفيزه على الاندفاع في أوهامه وخيالاته السياسية المضللة، فذلك نوع آخر من التضليل والتدليس والغش•
لكن الاتجاه الآخر يدافع عن مواقفه بالقول، أولاً إن الجماهير لها إدراك فطري بمعرفة أين تكمن مصالحها، وهو ما عبر عنه جان جاك روسو بـ>عصمة الإرادة العامة<، وثانياً إنه يجب أن تكون للصحافة ثوابت، أهمها الموضوعية أي تصوير الواقع كما هو، مثل توصيف العدوان على أنه عدوان والظلم على أنه ظلم، دون الوقوع في فخ الحياد الزائف الذي هو انحياز فاضح، وثانيها الانخراط في قضايا الأمة وخياراتها في الدفاع عن السيادة والخوف والحقوق والكرامة.
عامر كرم - القاهرة