سيستأنف الكونجرس جلساته ثانية في شهر سبتمبر المقبل، وفي مقدمة أولوياته الجماعية، إصلاح وتحسين مستوى أداء أجهزتنا الاستخباراتية، بغية رفع درجة تأمين البلاد ضد أية هجمات "إرهابية" محتملة. ومن المتوقع أن يبدي كل من الجمهوريين والديمقراطيين، أفضل ما لديهم من استعداد ونوايا، تجاه القيام بواجباتهم ومسؤولياتهم إزاء الأمن القومي. ولكن ما أكثر الحالات التي يفتقر فيها كل من الشعب الأميركي والكونجرس للمعلومات اللازمة، سيما تلك المعلومات الاستخباراتية التي ترفع عنها السرية، بوصفها الأكثر أهمية لحماية الأمن القومي.
يذكر أن "توماس إتش. كين"، رئيس لجنة التحقيق حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قال إنه ما كان ينبغي لثلاثة أرباع المعلومات المصنفة التي اطلع عليها، أن ترفع عنها صفة السرية في الأساس. ومن فرط ما سادت تقاليد السرية في كافة الأجهزة والإدارات الحكومية الفيدرالية، أصبح من الصعب التمييز بين فرضها على الوثائق والمعلومات لأسباب أمنية مقنعة ومشروعة، أم أن ذلك إجراء ظل يتخذ لمجرد حماية تلك الأجهزة والوكالات والإدارات! وتمثل القدرة على فرض السرية على الوثائق وحجبها، واحدة من أمضى الوسائل بيد الأجهزة الحكومية، مع ملاحظة أن هذه الممارسة ظلت مستمرة على امتداد عدة حقب وعقود. ففي العام الماضي 2003، أعلن مكتب أرشيفات الأمن القومي، عن إجراء فرض سرية وحجب على 14.2 مليون وثيقة، أي ضعف عدد الوثائق التي تم حجبها خلال العشر سنوات الماضية كلها!
ومن المؤكد أن الإفراط في فرض السرية على الوثائق لأسباب أمنية، ستكون له تأثيراته ونتائجه السلبية، لكونه يحدُّ من قدرة الأجهزة الأمنية نفسها، على تبادل تلك المعلومات المصنفة فيما بينها، واستخدامها من أجل بلورة سياسات أمنية أفضل للولايات المتحدة. وعلى المستوى الشعبي أيضاً، فإن هذا الإفراط في فرض السرية على المعلومات وحجبها، سيحرم المواطنين من قدرتهم على الحكم على مدى فاعلية أداء حكومتهم في المسائل ذات الصلة بحماية الأمن القومي. لذلك فإننا على قناعة بأن السبيل الأمثل للتصدي لهذه المعضلة المتفاقمة، وإزاحة هذه السحابة الداكنة الكثيفة التي تغطي سماء العاصمة "واشنطن" بالسرية، هي إنشاء مجلس أو لجنة خاصة، وتكليفها بمراجعة المعايير والأسس والإجراءات والأسباب التي يتم بموجبها حجب المعلومات وفرض السرية عليها، ومنع تداولها.
ولسنا الوحيدين الذين يبدون قلقاً ومخاوف من وجود ما يثير القلق والانزعاج إزاء أسباب ومعايير ودواعي حجب المعلومات وتصنيفها على أنها معلومات سرية. فهناك الكثيرون غيرنا، وتكفينا الإشارة بينهم إلى "ويليام ليونارد"، مدير مكتب المعلومات الأمنية، الذي وصف نظام تصنيف وسرية المعلومات الساري الآن، بأنه نتاج لخليط من القوانين والنظم واللوائح والتوجيهات، وتضارب هذه القوانين واللوائح والنظم، واختلافها من وكالة وهيئة إلى الأخرى، مما يزيد الأمر كله تشويشاً واضطراباً.
والسبيل إذن لحل هذه المشكلة، وفرض الرقابة والمراجعة اللازمة لما يفرض من حجب للمعلومات، هو أن يتم تشريع قانون مكتوب، يتم بموجبه إنشاء مجلس قومي مستقل، تناط به مسؤولية التصنيف الأمني للمعلومات. وفيما نرى، فإن التشريع المقترح، سينشئ مجلساً قومياً للتصنيف، مكوناً من ثلاثة أعضاء، على أن يخضع لإشراف الرئيس الأميركي، والقيادة الحزبية الثنائية لأعضاء مجلس النواب والشيوخ، بحيث يتم تمثيل كل منهما بعضو واحد داخل المجلس القومي للتصنيف، وفقاً لمصادقة مجلس الشيوخ عليه. وستكون لهذا المجلس مهمتان للاضطلاع بهما: أولاهما مراجعة المعايير والإجراءات المتبعة، لتصنيف المعلومات للأغراض المتصلة بالأمن القومي، إلى جانب التوصية بمثل هذه المعايير والإجراءات.
ثانياً: أن يعمل كهيئة دائمة تعمل على تنفيذ طلبات الكونجرس وبعض الهيئات التنفيذية المعينة، بمراجعة القرارات الخاصة بتصنيف معلومات بعينها وفرض السرية عليها. ولما كانت للهيئات التقليدية الاستخباراتية سلطة في تصنيف بعض معلومات "وكالة حماية البيئة" وغيرها من الهيئات والوكالات الحكومية، فإن المتوقع من المجلس المقترح، أن يشرف على إجراءات ومعايير تصنيف المعلومات على امتداد الهيئات الحكومية بأسرها. هذا علاوة على أن تشكيل المجلس إياه، سيتيح للكونجرس الفرصة لأول مرة في تاريخ البلاد، للاستئناف ضد قرار صادر بتصنيف معلومة ما على أساس قومي أمني.
تاريخياً، يذكر أن الرئيس الأسبق "هاري ترومان"، كان قد علق قائلا إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إنما أنشئت لخدمة الرئيس وتذليل مهامه. غير أن المؤكد اليوم، أنه ليس في وسع الولايات المتحدة الأميركية، أن تحافظ على كونها دولة لمجتمع حر وديمقراطي مفتوح، في حين تعطى هيئة واحدة من هيئاتها، صلاحية مطلقة ومنفردة، في حجب ما تراه من معلومات عن الجمهور. ومما لا شك فيه أن حجب حق الكونجرس في الطعن والاستئناف في تصنيف المعلومات وفرض السرية عليها، سيزيد من خطورة استشراء السرية وحجب المعلو