لا تزال البشرية مصدومة من وقع مجزرة الحولة بمدينة حمص السبت الماضي التي أبيد فيها 32 طفلاً بجز أعناقهم وضرب رؤوسهم ووجوههم بالفؤوس، من إجمالي 116 شخصاً قتلوا بنفس الطريقة حسب آخر التقارير. ولا يمكن أن ترتكب مثل هذه المجازر في ظروف الصراعات العادية.. لأن مثل هذه الجرائم وبهذه الطريقة الوحشية لا ترتكب إلا عندما يكون المعتدي مشحوناً ضد الطرف الضحية بشكل كبير، ويتنصل من صفاته الإنسانية إلى درجة أنه يتلذذ باستباحة دم الطرف الضعيف ويرتكب بحقه هذه الفظاعات بدم بارد ونشوة عجيبة! وفي تعريفات الأمم المتحدة، فإن جرائم الإبادة هي الفظاعات التي ترتكب أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، وصنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ 1951. أما المجزرة فتطلق على القتل الجماعي لمدنيين عزل في الحروب، وهي من جرائم الحرب عندما تشمل قتل وتصفية 5 أشخاص أو أكثر في مكان محدد وعملية محددة لأفراد غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم. وأما التطهير العرقي فهو مصطلح يطلق على عملية الطرد بالقوة لسكان غير مرغوب فيهم من إقليم معين على خلفية تمييز ديني أو عرقي أو سياسي أو استراتيجي أو لاعتبارات إيديولوجية أو مزيج من الخلفيات المذكورة. قد يكون من المفهوم، إلى حد ما، المجازر وجرائم الإبادة والتطهير العرقي التي شهدتها المجتمعات البشرية بين دول أو جماعات تختلف عرقياً أو دينياً مثل جرائم سربرنيتسا في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب وأدت إلى مقتل 8 آلاف شخص، وجرائم الإبادة في رواندا عندما شن المتطرفون من الهوتو حملة ضد الأقلية من التوتسي وقتلوا ما يربو على 800 ألف شخص. إن المشاهد التي تترى من الداخل السوري، والمقاطع التي توثق الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الأبرياء، تدل على أن الصراع ليس فقط صراعاً سياسيّاً بين معارضة ونظام مُصرٍّ على البقاء، وإنما هو صراع بقاء يستخدم فيه النظام كل السبل والوسائل لقمع الثورة. تاريخياً، عمل النظام السوري منذ تسلمه زمام السلطة في عام 1966 على ترسيخ أركان وقواعد الدولة خاصة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في يد الأفراد الذين ينتمون لنفس الطائفة التي تحكم البلاد. وتحولت سوريا إلى دولة بوليسية بامتياز بعد أن أصبحت المؤسسة الأمنية بأذرعها المختلفة، وهي أمن الدولة أو المخابرات العامة والأمن السياسي والأمن العسكري والمخابرات الجوية، هي التي تدير شؤون البلاد ويمكن لأي ضابط في هذه الأجهزة أن "يمسح بالوزير الأرض". ومنذ اندلاع الثورة السورية وجهت اتهامات كثيرة إلى هذه الفروع الأربعة في ارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان بحق المواطنين والناشطين السياسيين ضد نظام الأسد، وقامت باعتقال عشرات الآلاف من المحتجين وتعذيبهم بوسائل مختلفة، بل وارتكاب ما قد يَرقى إلى جرائم ضد الإنسانية حسب منظمة العفو الدولية. لقد جند النظام السوري جيشه وأجهزته الأمنية و"شبيحته" ليس للحفاظ على البلد ووحدته كما يزعم، وإنما للحفاظ على بقائه. كما أن أفراد وضباط الأجهزة الأمنية و"الشبيحة" لا يدافعون عن النظام فحسب، وإنما هدفهم الأول هو المحافظة على بقائهم، لأن انتصار الثورة يعني نهايتهم لا محالة! لذلك لا يستبعد أن يواصل النظام ارتكاب مجازر مماثلة كما حصل في الحولة، وأفظع وعلى نطاق أشمل وأوسع.. فهل سيتحرك العالم للجم هذا السعار الدموي وإيقاف مسلسل المذابح في سوريا أم أنه ينتظر بقية الحلقات من مشاهد القتل المروعة؟