مع بدء الكشف عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للعلوم والآداب والسلام مؤخرا، شرع المحررون الصحفيون في الاتصال اليومي بالمرشحين وتوجيه الأسئلة لهم حول أماكن تواجدهم وعن شعورهم إثر إعلان أسمائهم ضمن الفائزين بالجائزة العالمية؟ ولكن ماذا عن الذين يخسرون الجائزة، وأين هم وكيف سيكون تقبلهم للخسارة؟ بين هؤلاء الأخيرين كان رايموند داماديان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به في منزله في لونج آيلاند، وكان الوقت تمام الخامسة والنصف من مساء الاثنين الموافق السادس من شهر أكتوبر الجاري• لحظتها كان قد ذهب إلى الموقع الإلكتروني الخاص بجائزة نوبل العالمية• وما أن دخل الموقع حتى لاحظ أن الجائزة التي منحت للفائز في مجال العلوم، خصصت لاكتشاف تقنية الرنين المغناطيسي التي هي مجال تخصصه• وكان داماديان قد علم من بعض زملائه أنه قد تم إدراج اسمه بين المرشحين لنيل الجائزة لهذا العام، وهو الشيء نفسه الذي حدث بالنسبة للجوائز التي منحت منذ سنوات طويلة خلت• وما أن قرأ داماديان اسم الفائزين، حتى اتجه مباشرة من الغرفة التي كان فيها جهاز الكمبيوتر إلى غرفة النوم، فسألته زوجته مستغربة هذه العودة الصامتة السريعة، وكانت قد قرأت مسبقا أسارير نفسه وملامح وجهه: ماذا حدث؟ فرد عليها مقهورا: لقد منحوا الجائزة لكل من بول سي• لوتربير وسير مانسفيلد بينما أبعدوني منها.
كان ذلك هو ما قاله يوم الخميس التالي لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة ردا على سؤال الصحفي الذي واصل لقاءه مع داماديان قائلا: صف لي بتفصيل أكبر شعورك في تلك اللحظة التي قرأت فيها أسماء الفائزين بالجائزة؟ أما الإجابة فقد سبقتها لحظة صمت طويلة قبل أن يرد داماديان قائلا: شعور بالقهر والغبن • ثم مضى ليستطرد قائلا أعلم أن نتيجة ما حدث ستشطب من التاريخ كليا • وتعليقا على فوز كل من لوتربير ومانسفيلد، قال إنه صعود أسماء جديدة للتاريخ وحذف أسماء أخرى ما كان لها أن تحذف، وأن ذلك ظلم لا يمكن تحمله أو الصمت عليه• وفي هذه الجملة الأخيرة ليس ثمة ما ينبئ عن ركون داماديان للاستسلام أو الإذعان للنتائج التي أعلنت، بل إنها تشير إلى الخطوة التالية التي سيتخذها• وبالفعل فقد نشرت شركة فونر المؤسسة لتقنية الرنين المغناطيسي صفحة كاملة عن تخطي داماديان في قائمة الفائزين بجائزة نوبل، بينما خرجت صحيفة واشنطن بوست وهي تحمل العنوان الرئيسي التالي: الخطأ الفاضح الذي لا بد من تصحيحه • هذا وقد نقلت الصحيفة تصريحات لعلماء آخرين قالوا إن داماديان قد تعرض لسرقة إنجازاته في المجال بحذف اسمه من قائمة الفائزين بالجائزة• وفي المنحى ذاته كانت قد أشارت كتيبات ومقررات دراسية رسمية إلى إسهاماته الضخمة في هذه التكنولوجيا الواسعة الانتشار، حيث عقدت في العام الماضي وحده امتحانات متخصصة في الرنين المغناطيسي بلغ عددها 60 مليون امتحان• والمعروف عن الرنين المغناطيسي أنه تقنية عالية الكفاءة، تتمكن عن طريق توظيف الموجات المغناطيسية العالية، وموجات الراديو، من رسم صورة لخلايا الجسم الداخلية التي لا سبيل للأطباء المعالجين معرفتها أو تشخيص ما تعانيه، إلا بفتحها جراحيا كي يتمكنوا من النظر إليها• وفي إعلان آخر جاء أن اللجنة المسؤولة عن تحديد الفائزين بجائزة نوبل قد ارتكبت خطأ فادحا وغير مبرر تجاه الحقيقة باستبعادها اسم داماديان من قائمة الفائزين بالجائزة• وأضاف الإعلان أيضا أن قرار اللجنة المعنية مثير للغضب والاستفزاز على أدنى تقدير• ولم يكتف الإعلان بهذه الإدانة الصحفية فحسب، بل ترك مساحة ملحقة بالإعلان للقراء حتى يرسلوا احتجاجاتهم مباشرة إلى عنوان اللجنة المنظمة للجائزة في العاصمة السويدية استوكهولم.
ومع أن تكلفة إعلان كهذا على صفحات جريدة واشنطن بوست تصل إلى 80 ألف دولار، إلا أن داماديان قال إنه سينشر المزيد منها في صفحات الصحف الأخرى أيضا• والمبرر لهذه الحملة الدعائية هو شعور داماديان وسعيه لإضافة اسمه كمخترع لتقنية الرنين المغناطيسي الطبية قبل الإعلان الرسمي عن توزيعها في وقت لاحق من العام الحالي• تأكيدا لذلك قال داماديان: أدرك جيدا أنني لو لم أكن قد ولدت، لما عرف العالم أصلا تقنية التخطيط بواسطة الرنين المغناطيسي.
عموما فإن اختيار الفائزين بجائزة نوبل كثيرا ما يثير المشاكل، ولا ينال رضا البعض، وقد يلازمه بعض الأخطاء في حالات كثيرة• غير أن الجديد في هذه الحملة التي يقودها داماديان، أنها غير مسبوقة في تاريخ الجائزة منذ إعلانها• ذلك هو ما أكده هانس جورنفال سكرتيراللجنة الخمسينية للجائزة بقوله: فالخاسرون لا يكتبون إلينا ولا يطالبون الآخرين بالكتابة لنا• والمعروف أن مقر اللجنة التي تختار الفائز في مجال الطب هو معهد كارولينسكا في السويد• ومضى سكرتير اللجنة قائلا: لا يعلق مسؤولو اللجنة مطلقا على حالات الخاسرين للجائزة• وبالنسبة لنا فإن البشرية كلها تنقسم في نظرنا إلى فرقتين، إحداهما فازت بالجائزة والأخرى لم تحصل عليها بعد• ومن أعرافنا المتبعة ألا نقول شيئ