علاقة المواطن بالدولة هي إحدى علامات النهضة. تسوء العلاقة إذا عادت الدولة المواطن لأنه ينازعها سلطانها، ويتحدى سلطتها فيحدث رد فعل عند المواطن بعدائه للدولة لأنها لا تعبر عن مصالحه، ولا تمثل هويته، ولا هي سلطة منتخبة انتخابا حرا بإرادته. صورة المواطن في ذهن الدولة أنه عدوها، وصورة الدولة في ذهن المواطن أيضا أنها عدوته. وهنا ينشأ عدم الولاء المزدوج بين المواطن والدولة. فتبحث الدولة عن أحلاف خارجية ضد المواطن، كما يبحث المواطن عن ولاءات خارجية ضد الدولة. فيتحول العدو الخارجي إلى صديق للدولة كما هو الحال في علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية وعند البعض إسرائيل أيضا. ويعبر المواطن عن ولائه لدول أخرى خارج الدولة- الوطن إلى القوم- الوطن أو إلى الأمة- الوطن أو إلى الإنسانية- الوطن.
وينعكس ذلك في وقوع الضرر المتبادل بين المواطن والدولة. إذ تسن الدولة عدة تشريعات ضد المواطن مثل إعلان الأحكام العرفية، وقوانين الطوارئ، وكل القوانين المقيدة للحريات مثل قانون العيب، وقانون الاشتباه، والقوانين الاستثنائية. وكلها تقوم على التحريم والمنع والتقييد. فأصبحت صورة الدولة هي "الممنوع"، "ممنوع الاقتراب والتصوير". وينتج عن ذلك عدم ولاء المواطن للدولة، وعدم طاعة قوانينها، ويضع آليات للتحايل عليها لتحقيق مصالحه بالرشوة والتملق والمداهنة وكل مظاهر الفساد من أجل التكيف الاجتماعي وتحقيق المصالح التي أصبحت لا تتم إلا بعصيان القانون. فتحولت القوانين إلى صورية خالصة. فتحت يافطة "ممنوع الوقوف قطعيا" تصطف عشرات العربات. كما ينتهز المواطن الفرصة لإلحاق الضرر بالدولة وبالممتلكات العامة. قطع كراسي قطار أو رميه بالحجارة في الريف أو خدش العربات العامة أو سرقة الممتلكات العامة أو إتلاف المكاتب أو العبث بالحدائق العامة. فأصبح العام مكانا لتفريغ شحنات الغضب عند المواطن. فالدولة في ذهن المواطن هو الشرطي، والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل.
إذا تحرك المواطن ونشط ثقافيا أو سياسيا، واشتغل بالعمل العام، وناضل في سبيل وطن أفضل ونظام سياسي يعبر عنه ويحقق مصالح الناس فإنه يكون مشبوها مدفوعا بقوى خارجية وعضواً في تنظيم سري لقلب نظام الحكم. فلا تنشأ مظاهرة إلا بفعل "المندسين" العملاء، أما جسم الأمة فصحيح. لم ينجرف بفعل هذه الفئة المنحرفة الضالة. وكيف للخارج أن يحرك الداخل؟ وكيف لهذه الحفنة المعدودة من الشباب أن يسببوا كل هذا القلق للدولة بجيشها وشرطتها وقوات أمنها؟
فإذا تظاهر الإسلامي لأن الإسلام لا يرضى نظاما سياسيا تابعا للخارج وقاهراً للداخل "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف طبقوا عليه الحد" فإنه عميل إيران أو أفغانستان أو الطالبان أو أسامة بن لادن أو الإخوان أو الجماعات الإسلامية المتعددة السرية أو العلنية مثل جماعة الجهاد. هو عميل للتنظيمات الإسلامية العالمية في لندن تحت غطاء مساعدة المسلمين في البوسنة أو الهرسك أو أفغانستان أو كشمير أو الشيشان.
وإذا تظاهر ناصري قومي عربي مازال يؤمن بالقومية العربية من ريح الخمسينات والستينات، ويرى مخاطر القطرية، وعزلة مصر، وتشتت العرب وتمزقهم لابتلاعهم قطعة قطعة كما تم أول مرة بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وهزيمة دولة الخلافة ثم القضاء عليها كلية بعد الثورة الكمالية
في 1923 فإنه بعثي قومي سوري عراقي، ولاؤه للقومية العربية وليس لمصر وكأن مصر قطر معزول عن محيطها العربي وشعبها العربي. وإذا تظاهر ماركسي ضد غلاء الأسعار والفساد دفاعا عن الفقراء والطبقات المحرومة فإنه شيوعي روسي أحمر، ولاؤه للأممية أو عميل لها، وخائن للوطن. وإذا تظاهر ليبرالي دفاعا عن الحرية والديموقراطية ضد صنوف القهر وتزييف الانتخابات والقوانين الاستثنائية والأحكام العرفية وسيطرة الدولة على أجهزة الإعلام وعدم تمثيل القوى السياسية في المجالس الدستورية، واستثناء الحزب الحاكم بالسلطة والثروة، فإنه وفدي إقطاعي من أنصار العهد البائد، راغب في العودة إلى الحكم، ومعادٍ لثورة 23 يوليو 1952، وضد مكاسب العمال والفلاحين الذين يمثلون نصف مقاعد مجلس الشعب. فكل نشط سياسي فهو إما عميل أو خائن أو موتور أو حاقد. به كل الأوصاف والنعوت إلا أنه وطني، ولاؤه للوطن. والوطن ليس هو النظام السياسي. إنما نقد النظام السياسي هو الولاء للوطن. النظام فان، والوطن خالد.
بل إن المظاهرات من أجل المطالب المهنية والفئوية وتحسين الأوضاع الوظيفية والمعيشية في مؤسسات الدولة أو في منظمات المجتمع المدني غير مسموح بها. فإنها تثير الشغب الاجتماعي. ويخشى أن تنقلب إلى تخريب المنشآت العامة بفعل المندسين وهي لا تطالب بأكثر من فرص للعمل أو تحسين المرتبات أو ظروف الدراسة أو الاعتراف بالشهادات. أما الهبات الشعبية العامة من أجل الخبز وضد غلاء الأسعار كما حدث في يناير 1977 فإنها انتفاضة "حرامية" مع أنها لم تثر إلا ضد مظاهر الفساد، علب الليل، ومراكز الشرطة التي يتعذب ف