بلغت جهود المدن الأميركية المبذولة في مجال تحسين جودة الهواء، مرحلةً متقدمةً بعد تسجيل نتائج إيجابية في أكثر من مدينة، فقد كشفت الجمعية الأميركية لأمراض الرئة، في تقرير لها، أن جودة الهواء في المدن الأميركية وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد. وتُرجع الجمعية غير الربحية هذا التقدم الملموس إلى تشديد معايير احترام البيئة، والتقليل من الأدخنة المنبعثة من عادمات السيارات والمصانع. وعن هذا التقدم في تحسين جودة الهواء، يقول "تشارلز كونور" رئيس الجمعية الأميركية لأمراض الرئة وأحد المشرفين على الدارسة: "لقد أحرزنا تقدماً حقيقياً في خفض نسب التلوث في الهواء، وجعلنا التنفس في المدن الأميركية أقل خطورة مما كان عليه في السابق. ونحن مدينون في ذلك للتشريع المسمى (قانون الهواء النظيف)". وقد سعى ذلك القانون، على مدى السنوات الماضية، إلى تنظيف الهواء في المدن الكبرى وتنقيته من مصادر التلوث الرئيسية، مثل وقف محطات الفحم الحجري، وسحب أساطيل السيارات الكبيرة المتقادمة التي تنفث دخاناً أكثر، بالإضافة إلى مراقبة محركات الديزل الأكثر تلويثاً للهواء من غيرها. وقد لوحظ انخفاض نسبة تلوث الهواء في أكثر من مدينة أميركية، لا سيما تلك التي كانت تعاني تلوث الأوزون، والجزيئات الدقيقة المتناثرة في الجو، بالإضافة إلى ما تنفثه عوادم السيارات من أدخنة سامة. وهكذا انخفضت مستويات الأوزون في الهواء بنسبة 13 في المئة منذ عام 2000، فيما تراجعت الجزيئات الملوثة بنسبة 24 في المئة منذ التاريخ نفسه، وهي الأرقام التي وردت في تقرير الجمعية الأميركية لأمراض الرئة. ومع أن نسبة الأوزون في مدينة كبرى مثل لوس أنجلوس، ظلت هي الأعلى بين المدن الأخرى، فإن مصادر التلوث المتبقية مثل الغازات وغيرها تراجعت بواقع النصف في مدن مثل بيتستبورج وسينسناتي لتسجل أدنى مستوى لها في التلوث خلال 13 عاماً، وهي الأرقام التي ارتكزت على معطيات وكالة حماية البيئة الأميركية. واللافت أن هذا التوجه نحو انخفاض معدلات التلوث في الهواء تزامن مع بدء تعافي الاقتصاد الأميركي واستئناف النشاط الصناعي عمله عقب الركود الذي لحق بالاقتصاد منذ عام 2008. ولا يبدو أن الاستخدام المكثف لمصادر الطاقة بعد مرحلة التعافي، سيؤثر سلباً على مستويات التلوث، وهو ما عبرت عنه نائبة رئيس المنظمة الأميركية لأمراض الرئة، "جانبس نولين"، قائلة: "ما تشير إليه الأرقام رغم استئناف عجلة الاقتصاد دورانها أنه لا تعارض بين التنمية والحفاظ على البيئة، وبأنه يمكن الحصول على هواء نقي ونظيف دون إعاقة النمو الاقتصادي، كما يحذر من ذلك البعض. فرغم النمو الأخير في الاقتصاد، تمكّنّا من خفض نسب التلوث في المدن الأميركية". وبحسب الأرقام، فقد سجلت 25 مدينة أميركية تقدماً، بحيث استطاعت في المجمل تقليص نسب التلوث بشكل لافت. والأكثر من ذلك، أكدت وكالة حماية البيئة الأميركية أن التحسن المهم في جودة الهواء المسجل في المدن الأميركية منذ 2010، بموجب قانون الهواء النظيف الذي أقر في عام 1990، كان له دور كبير في تقليل الأمراض المرتبطة بالرئة والتنفس، وساهم في إنقاذ حياة 160 ألف شخص. وأضافت دورية نيوإنجلاند الطبية، في عام 2009، أن الهواء النقي الخالي من التلوث يضيف خمسة أشهر إلى معدل الحياة في أميركا. لكن رغم هذا التقدم المحرز، يرى "كونور" بأن "معدلات التلوث ما زالت مرتفعة في عدد من المناطق الأميركية، وأنه بالمقارنة مع التقدم في بلدان أخرى تظل المعطيات الأميركية متقادمة ومتأخرة، وهو ما يؤثر على صحة ملايين الأميركيين ويعرضهم لأمراض التنفس والرئة". وتذكر الجمعية الأميركية لأمراض الرئة أن أكثر من 127 مليون أميركي، أي نحو 40 في المئة من إجمالي السكان، يعانون في مناطق صنفتها المنظمة في أعلى سلم التلوث. وأشار التقرير إلى المدن الأكثر تلوثاً في أميركا والتي تكاد تنحصر في ولاية كاليفورنيا، مثل لوس أنجلوس وباكرفيلد وفرينسو وهانفورد، والتي سجلت أعلى مستويات التلوث في الولايات المتحدة. وحسب الدراسة، فإن عوامل عديدة تتضافر لجعل كاليوفورنيا إحدى الولايات الأكثر تلوثاً في أميركا، مثل الطبيعة الجغرافية للولاية المحاطة بالجبال، وارتفاع درجة حرارتها، فضلاً عن العدد الكبير من السيارات والنشاط الصناعي المتواصل. ورغم محاولات بعض نواب الكونجرس من الجمهوريين تعطيل قانون الهواء النظيف، ومنع تنفيذ عدد من الإجراءات المقللة لخطر أمراض الرئة والتنفس، وتوجيه الدعوة إلى الجمعية الأميركية لأمراض الرئة بمراجعة نتائجها... فقد استماتت الجمعية في الدفاع عن تحذيرها، وهو ما يفسر حرص مسؤوليها على نشر تقارير دورية توثق نسبة التلوث المسجلة في المدن الأميركية من جهة والإشارة إلى مدى ارتباط ذلك بتزايد حالات الإصابة بأمراض الرئة من جهة أخرى. كما تسعى المنظمة لمواجهة تحفظ النواب الجمهوريين إلى حشد المهتمين، سواء العاملين في القطاع الصحي أو الجمعيات والمنظمات البيئة المطالبة بتقليص نسب التلوث. --------- أندرو ماتش كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ----------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"