في مقالتي السابقة كنت قد قلت إنه يفترض في القانون، أن يخدم غرضين أساسيين: أن يعاقب ويوفر العدالة من جانب، وأن يردع ويحفظ السلام من الجانب الآخر. غير أن القانون الدولي لا يؤدي هاتين الوظيفتين. ذلك أن الناس جميعاً، لا يتساوون أمامه، كما هو حال أسامة بن لادن، وصدام حسين، و"إرييل شارون"، و"هنري كيسنجر". فبالنسبة لشارون، نجد أن مهنته مخضبة بالدماء. ففي عام 1953 بدأ شارون تنفيذ أولى مجازره ضد الفلسطينيين من أهالي قرية "قبية" الذين أرغمهم جنوده على البقاء داخل منازلهم، حتى دمرت وأحرقت فوق رؤوسهم. كانت الجالية اليهودية الأميركية قد استنكرت المجزرة، وأدانها مجلس الأمن الدولي وقتها، غير أنه لم تتخذ أية إجراءات عقابية قانونية ضد شارون.
وفي 1982 ساعد قادة قوات شارون، المليشيات المسيحية اللبنانية المسلحة في ارتكاب مذبحة "صبرا" و"شاتيلا" بحق الفلسطينيين العزل. ووفقاً لإحصاءات الصليب الأحمر الدولي، فقد بلغ ضحايا تلك المذبحة 2400. وكما نعلم، فقد رفع بعض الناجين من تلك المذبحة، دعوى قضائية ضد مذابح شارون في إحدى المحاكم البلجيكية. وكان تعديل تشريعي قد أجري في عام 1993، أعطى المحاكم البلجيكية سلطة توجيه الاتهامات للأشخاص المتشبه بارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، سواء كانت جرائم حرب أم تطهير عرقي، على أساس الاختصاص الدولي، وبصرف النظر عن جنسية الضحية أو الجاني، أو الزمن الذي ارتكبت فيه الجريمة. لكن بسبب الضغوط القوية التي مارستها كل من أميركا وإسرائيل، فقد أرغمت الحكومة البلجيكية على إجراء تعديل على ذلك القانون، بنيت بموجبه المحاكمات هذه، على أساس الجنسية. وهذا يعني أنه يجب أن يكون المتهم أو المدعى عليه، مواطنا بلجيكياً أو مقيماً في بلجيكا، قبل قبولها المضي في إجراءات المحاكمة. وهكذا فقد انسد الطريق أمام أي مسعى لتقديم شارون أو غيره من المسؤولين الأميركيين، أمام العدالة.
أما في حالة "هنري كيسنجر" وزير الخارجية الأميركي الأسبق، فهناك توثيق معتمد، بما فيه كتاب للصحفي "كريستوفر هتشنز"، وفيلم وثائقي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" يوفر أدلة كافية لمحاكمته باتهامات تتعلق بجرائم تطهير عرقي، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية. وضمن الاتهامات المثارة ضد "كسينجر"، تعطيله المتعمد لمحادثات السلام في عام 1968، ومن ثم إطالته لأمد حرب فيتنام خمس سنوات أخرى، وزيادته لعدد ضحايا الحرب من المدنيين. أما يده في الحروب الخفية التي خيضت ضد كل من كمبوديا ولاوس، فقد أسفرت عن قتلى وضحايا بلغ عددهم 950 ألفا! ولـ"كسينجر" يد كذلك في الإطاحة بحكومة الرئيس التشيلي المنتخب "سلفادور "أليندي"، في عام 1973، وما صاحب ذلك الانقلاب من مجازر وحمامات دماء، أعقبها صعود السفاح "أوغيستو بينوشيه"، بكل ما نسب إليه من جرائم، قدم بموجبها للمحاكمة. وكما نعلم، فقد طالبت السلطات الفرنسية والأرجنتينية والتشيلية "كيسنجر" بالإدلاء أمام محاكمها بما لديه من معلومات عن جرائم اغتيالات وتصفيات دموية، جرت تحت علمه وبمشاركته سراً. وفي عام 2002، وافقت كذلك محكمة بريطانية على سماع دعوى مرفوعة ضد "كيسنجر" تتعلق بجرائم حرب، أثناء زيارته لبريطانيا في ذلك الوقت، إلا أنه هرب من عاصمتها على عجل، مثلما فعل من قبل في فرنسا عام 2001.
هكذا تبدو المفارقة بين حالتي شارون و"كيسنجر"، قياساً إلى المطالبة الدولية وإلحاحها على ملاحقة ومحاكمة كل من صدام حسين وأسامة بن لادن، وتعكس هذه المفارقة معضلة القانون الدولي، وعدم مساواته بين الناس والمجرمين. فلطالما أن شارون و"كيسنجر" مرضي عنهما من جانب واشنطن، فلا سبيل لتقديمهما للمحاكمة، مهما ارتكبت أيديهما من آثام وجرائم بحق البشرية، وتلطخت بدماء الأبرياء. أما من عداهما من أمثال صدام حسين وأسامة بن لادن، فلهما الملاحقة واللعنة والعقوبة الرادعة! والآن فربما تتم محاكمة صدام حسين بموجب ما ينسب إليه من جرائم وانتهاكات، أما أسامة بن لادن، فمن المحتمل ألا يقدم إلى أية محاكمة البتة، ومن ثم تكون قد راحت دماء الآلاف من القتلى في أفغانستان، بسبب ما نسب إليه من أفعال. وفي حالة شارون، فمن المرجح أن يواصل ارتكاب جرائمه الوحشية، طالما أنه مطمئن لوقوف واشنطن من خلفه، وحمايتها له ضد أية محاكمة، على ما تقترف يداه من آثام، وكذلك الحال بالنسبة لـ"كيسنجر"، الذي لن يسائله أحد على ما اقترفت يداه، من فيتنام حتى كمبوديا ولاوس وتيمور الشرقية! والنتيجة النهائية أن القانون الدولي لم يوفر العدل ولا الردع المفترضين. فهل من سبيل بعد ذلك، للحلم بسيادة سلوك دولي متحضر؟.