أصبحت الفضائيات التلفزيونية العربية في قلب معركة التغيير العربي سواء أكان ذلك التغيير سلبياً أم إيجابياً. ولأنها كذلك فإن ما تقوله أو تقف معه أو تعارضه، سيدخل النسيج الحياتي العربي فينعشه أو يضعفه. وهذا التأثير لن يقتصر على ما تطرحه من أفكار وتحليلات، بل أيضاً على طريقة وأسلوب الطرح. ولما كانت بعض القنوات الفضائية استضافتني، فإنني أبدي الملاحظات الآتية التي تنطبق على الغالبية من الفضائيات العربية ولا تقتصر على هذه أو تلك.
أولا: هناك السَّلْق المُخِلُّ للمواضيع المطروحة من خلال استضافة عدد من المتحدّثين لا يسمح الوقت لهم بالتعمق في أي موضوع، ومن خلال استضافة عدد كبير من المشاهدين لإبداء الرأي والتعليق، والذين ينتهون بالحديث عن مواضيع تهمهم، ولكنها حتماً خارج موضوع النقاش ومائلة نحو العواطف السطحية بل والنرجسية في بعض الأحيان. فإذا أضيف إلى ذلك أن من يدير الحوار قد ينـْحوا نحو العموميات، وعدم التركيز على موضوع النقاش والانتقال البهلواني إلى الهوامش والتفاصيل المُمِلة، فإن المحصّلة النهائية تكون عبارة عن فوضى نقاشية لا تفيد المشاهد ولا تساعده على تكوين رأي أو موقف.
ثانيا: هناك الميْل عند بعض المتحدثين وكثير من المشاهدين المُعلِقين نحو اختزال الظواهر والأحداث المُعقـدة في شخص واحد أو تصّرفٍ معزول أو نظام سياسي معين. فقضية العراق البالغة التعقيد تـُختزل مثلاً في شخص صدام حسين، وتعقيدات الحياة السياسية الجزائرية الممتدة إلى بداية الاستقلال بل وما قبله تختزل مثلاً في عدم السماح لجبهة الإنقاذ الإسلامية باستلام الحكم. وبالرغم من أهمية أولئك الأشخاص أو الحوادث المعنية إلا أن عدم ربطها بخبايا الاستراتيجيات الدولية، وببلادات الأوضاع السياسية العربية وبعدم النضج في قيادات مؤسسات المجتمع المدني السياسية المحلية القطرية أو القومية وغيرها يجعل الحديث عنها كثرثرات المقاهي أو فيما بين ركاب مواصلات النقل العام.
ثالثا: هناك التعميمات المتسرعة التي لم تبق فكر ولاعقلانية. فالوحدة العربية حلم مستحيل لأن الوحدة المصرية - السورية فشلت، وفكرة الحزبية السياسية التي بدونها لا يستقر نظام سياسي ديمقراطي حديث مرفوضة، لأن الغالبية من الأحزاب العربية قد فشلت في الماضي أو سمحت للعساكر والانتهازيين بأن يسرقوها. وهكذا ترفض كل الأفكار والإيديولوجيات لأنها فشلت بسبب سوء التطبيق من قبل حامليها. وبدلاً من المطالبة بتطبيق أفضل ينصب الهجوم والرفض على الأفكار نفسها، بل ويتركز الهجوم على كل من لا يزال يعتنقها. ويشعر الإنسان بأن السّادية لا تقتصر على الأفراد بل تصيب الأمم.
وأخيراً تتوج ممارسات السلق والاختزال والتعميمات بتقديم اقتراحات وحلول كارثية. فكل شعب عربي يجب أن يركز على حل مشاكله وينسى قضايا الأمة المعقدة. والسوق العربية المشتركة لا حاجة إليها لأن العولمة ستحل محلها، والعراقيون والفلسطينيون يجب أن يتركوا لحالهم ليحلوا مشاكلهم بأنفسهم حتى ولو أدى ذلك إلى استفراد الصهيونية وأميركا بهم.
ومع ذلك تبقى الفضائيات العربية من أفضل ساحات النقاش العربية ومن أكثرها نجاحاً في أمور التوعية السياسية. لكن تحسين أدائها هو مطلب ملح بسبب الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه في "الثورة" العربية الديمقراطية القادمة.