منذ عام تقريباً، في الذكرى الثانية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تنبأت بشن "حملة مريرة ربما تكون هي الأكثر قذارة في التاريخ الأميركي الحديث...". والأسباب التي ذكرتها في ذلك الوقت لشن هذه الحملة لازالت قائمة. فالرئيس بوش ليست لديه إنجازات إيجابية تمكنه من الاستمرار في منصب الرئاسة والدائرة الضيقة المحيطة به لا تستطيع تحمل رؤيته وهو يخسر. ويرجع السبب في ذلك إلى أن بوش لو خسر فإن غطاء السرية الذي يحيط به سينحسر كاشفاً للشعب الأميركي عن الحقيقة المتعلقة بالمعلومات الاستخبارية المطبوخة، والتربح من الوظيفة، وتسييس الأمن الداخلي، وغير ذلك من تجاوزات. ولكن الانتقادات الأخيرة التي استهدفت "جون كيري" تجاوزت توقعاتي.
وليس هناك سر وراء تلك الانتقادات. فـ"كيري" ليس فقط هو المرشح الديمقراطي الذي يمكن أن يكسب انتخابات الرئاسة، ولكنه أيضاً رجل يتحدى بتاريخه الحافل كافة محاولات بوش للخلط بين مظهرية الرجل الشرس والشجاعة وبين الجعجعة والوطنية.
ومن عجائب السياسة الأميركية الحديثة ما يتمتع به بوش وأنصاره من قدرة على تغليف أهدافهم الحزبية الضيقة بالعلم الأميركي رمز الوطنية. فمن خلال التلميح والغمز واللمز والهجمات المباشرة من معاوني بوش وبعضهم تهرب من أداء الخدمة العسكرية في فيتنام، قام أشخاص مثل "ديك تشيني" - الذي طلب تأجيل خدمته العسكرية خمس مرات-، و"جون أشكروفت" - الذي طلب تأجيل هذه الخدمة سبع مرات" بل وقام الرئيس ذاته - الذي تم تعيينه في مكان مريح في الحرس الوطني أثناء حرب فيتنام كما توجد ثغرة غامضة في سجله العسكري-، بمحاولة للنيل من وطنية رجال خاطروا بحياتهم، وتعرضوا للمعاناة من أجل وطنهم مثل "جون ماكين"، و"ماكس كليلاند"، و"جون كيري".
والسؤال الآن هو كيف تسنى لمثل هؤلاء الأشخاص أن يقوموا بذلك وأن ينجوا بفعلتهم؟ الإجابة على هذا السؤال هي أننا نعيش فيما يطلق عليه "روجر إيبرت": عصر وطنية رامبو.
فبعد أن بهتت ذكريات المذابح والفظائع الأخلاقية في فيتنام، بدأ الكثيرون يؤمنون بالكليشيهات المريحة لأفلام "الآكشن" التي يكون فيها البطل الذي يتحدث دوماً بطريقة خشنة على صواب دائماً، بينما يكون الأشخاص الذين يتحدثون بأسلوب مهذب وخجول، ويرون ما تنطوي عليه الأمور من تعقيدات، ويحثون البطل على التروي والتفكير قبل الفعل... على خطأ دائماً، هذا إن لم يتم تصنيفهم كأشرار في بعض الأحيان.
بعد الحادي عشر من سبتمبر كان أمام بوش خياران: أن يتعامل مع التهديدات الحقيقية أو أن يلعب دور "رامبو". ولقد فضل الرئيس الخيار الثاني. فلم يكن ليروق له أن يقوم بالمهمة الصعبة والمحبطة الخاصة بتعقب "الإرهابيين" الهاربين، ولم يكن ليروق له أن يضطلع بالعمل الشاق والممل المتعلق بحماية الموانئ والمصانع الكيماوية من الهجمات المحتملة. كان الرئيس يريد أن يلعب دوراً درامياً وأن يدخل في تحدٍّ بالمسدسات مع الأشرار. وعندما كان المرء منا يتساءل عن الأسباب التي جعلتنا نطارد مثل هذا الشخص الشرير تحديداً "صدام حسين" الذي لم يقم بمهاجمة أميركا، ولم يكن يقوم بتصنيع أسلحة نووية، أو عندما كان يحذر من أن الحروب تتضمن أخطاراً وأكلافاً لا تظهر عادة في أفلام "الآكشن"، فإنه كان يتعرض إلى اتهام جاهز بعدم الوطنية.
إذا ما اعتبرناها استراتيجية سياسية للاستهلاك المحلي فإننا نقول إن مظهرية بوش قد حققت نجاحاً باهراً، أما إذا ما نظرنا إليها كاستراتيجية لمكافحة "الإرهاب" فإن تلك المظهرية في الحقيقة كانت في مصلحة تنظيم "القاعدة".
فبعد ثلاثين عاماً على نهاية حرب فيتنام نجد للمرة الثانية أن الجنود الأميركيين يموتون في حرب تم تسويقها لهم بموجب ادعاءات وحجج مزيفة، وتخلق أعداء جدداً أكثر مما تقتل من الأعداء القائمين.
لذلك يجب ألا نصاب بالدهشة عندما نجد أن بوش - الذي كان عليه وفقاً لهذا الدور أن يدافع عن أشياء لا يمكن الدفاع عنها في الأصل- قد لجأ إلى هؤلاء الذين لا يزالون يرفضون مواجهة الحقائق الخاصة بحرب فيتنام.
إن جميع الأدلة الموثوق بها... بدءاً من السجل العسكري، وحتى شهادات الأشخاص الذين خدموا مع "جون كيري" في فيتنام، تؤكد أن "كيري" كان بطلا من أبطال تلك الحرب. والسؤال هنا: طالما أن الأمر كذلك. فما هو الشيء الذي يدفع بعض المحاربين القدماء إلى الانضمام إلى حملة التشويه الموجهة ضد "كيري"؟ السبب في ذلك هو أن هؤلاء الأشخاص يشعرون بالغضب بسبب التصريحات التي أدلى بها "كيري" والتي انتقد فيها حرب فيتنام بعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها. ففي انتقاداته لحرب فيتنام في ذلك الوقت، انتقد الضابط الشاب "كيري" القادة الذين أرسلوا الجنود إلى حتفهم لمجرد أنهم كانوا يريدون أن يبدو في صورة القادة الشرسين وبعد ذلك وحسب نص كلماته "تركوا هؤلاء الجنود ملقيين في الميدان وتقهقروا هم محْتمين بدرع من التقوى والاستقامة الخلقية".
وبعد مرور 15 شهراً على قيام "جورج بوش" بالتبختر مرتدياً زي الطيارين فوق ظهر حاملة الطائرات معلن