لو تسنى لصدام وزمرته متابعة ما يجري في العراق اليوم، فإنهم لا بد أن يكونوا أكثر الناس سعادة وشماتة، وقد يضحكون ويرقصون في زنزاناتهم، ويرددون (هذا اليوم اللي كنا نريده). كانت أحلام العراقيين، بعد زوال نظام العبث، لا تعد ولا تحصى، وقد كانوا محرومين حتى من لذة الأحلام والأمنيات البسيطة، وممنوعين حتى من حق الكلام والبكاء. كان من حقهم أن يبتهجوا بزوال حكم الطغيان والقهر، وسقوط أصنام "العوجة"، ولكن سرعان ما انتهت الحفلة، واختفت مظاهر الرقص والطرب، وانقضت أيام النهب، فقد استيقظ العراقيون، في الشهور القليلة الماضية، على كوابيس مرعبة. حروب ومعارك وقتال دموي وتفجيرات وسيارات مفخخة، ولكن ليس ثمة جبهة محددة أو أهداف واضحة، أو حلفاء أو أعداء ثابتون ومن المؤسف أن جميع المتورطين في هذه الفوضى الدموية يرفعون شعارات "مقاومة" الاحتلال والدفاع عن الوطن ويتسترون بغطاء الدين الحنيف، وهي اللعبة المقيتة نفسها التي كان صدام يمارسها في حروبه الخاسرة وحماقاته الكارثية!
نحن الذين نقيم في المنافي والمهاجر، التي لجأنا إليها هربا من بطش وظلم النظام الصدامي نتابع ما يجري في وطننا اليوم، من بعيد ،ويتزايد الألم والحزن في نفوسنا، ونشعر بصعوبة بالغة في شرح مأساة العراق لمن يسألنا عن رأينا من الأشقاء والأصدقاء. بعض السائلين لا يخفي بغضه ،وبعض الأسئلة لا تخلو من الخبث: لقد سقط صدام وتحررتم، وحصلتم على الديمقراطية. فماذا تريدون أكثر من ذلك؟.. ولماذا يقتل بعضكم بعضا؟!
ولم يتردد أحد (العرب الصداميين) من القول: شعب العراق. أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق. لم يستطع الحكام إخضاعكم وقهركم سوى الحجاج الثقفي وصدام التكريتي!
هل نحن حقا بحاجة إلى حجاج أو صدام جديد؟ ألا لعنة الله على الظالمين! ولكن تريثوا قليلا، وتأملوا من فضلكم، إن الفتنة التي ذرّت بقرنها، في أغلب مدن العراق، ربما تمنح بعض المشروعية لهؤلاء المدافعين عن صدام وزمرته، والذين ما زال بعضهم لا يخجل من تسميته بالرئيس القائد، ويعتبره الحاكم ( الشرعي) للعراق. وليس بعيداً عن هذا الرأي الغريب، قول السيد مقتدى الصدر: "إن الحكومة العراقية المؤقتة أسوأ من صدام"! وعلى ذلك، وفي سياق هذه المقولة يمكن أن ندعو إلى إطلاق سراح صدام وزمرته لمدة أربع وعشرين ساعة فقط، وإعادتهم إلى مناصبهم، لكي نرى هل أن السيد الصدر وجيشه سيبقى منتشراً في الشوارع. أم أن بضع قنابل كيمياوية سوف ُتنهي الأزمة، ويعود الهدوء والأمن إلى المدن العراقية، التي يستبيحها اليوم قطاع الطرق والسفاحون، تحت أسماء جيش التحرير الإسلامي، أو حزب "الرايات السود"، أو تنظيم "التوحيد والجهاد"، أو جيش المهدي! لا ندري أين كانت هذه الجيوش مختبئة، طوال حكم "العبث العفلقي"؟ ولماذا لم يرفعوا راياتهم السود أو الخضر أو الحمر عندما كان صدام وأولاده وأقرباءه يرتكبون الموبقات ويسرقون الثروات، ويعيثون في الأرض فسادا وظلما؟! لا يحتاج المرء إلى الكثير من الذكاء ليكتشف أن هؤلاء المجاهدين الأشاوس قد خرجوا جميعا من جيوب معطف صدام أو من تحت عباءته! الزرقاوي وجماعته "القاعدية" كانوا يقيمون في الفلوجة ويمولون عملياتهم الدولية من نفط الشعب العراقي، ناهيك عن تنظيمات مسلحة خرجت من جحور صدام بعد سقوطه ليواصلوا القتل والتدمير والتفجير، ولكل منهم تاريخ في الإجرام وسفك الدماء البريئة!
أما السيد مقتدى الصدر فقد وجد نفسه، وسط هذه الجوقة، وهو يبحث عن دور سياسي، مستندا على تاريخ أسرته المجاهدة، ولكن من المؤسف أنه لا يعرف ماهي طبيعة ذلك الدور، وما هي أهدافه ووسائله؟ وربما دفعه إلى التورط في هذه اللعبة الدموية الخطرة، مجموعة من الأخطاء والتصرفات الأميركية، من بينها محاولة تهميش تيار الشهيد الصدر واستبعاده من مجلس الحكم ومن الحكومة المؤقتة، علما أن هذا التيار يستقطب آلاف الشباب الفقراء الذين سحقهم النظام السابق، وبالأخص في المدن الشيعية الجنوبية
ومناطق الكاظمية والثورة والشعلة والعامل في بغداد.
وقد أسهمت الأوضاع الأمنية المتدهورة وتباطؤ عملية إعادة الإعمار، وغياب الخدمات الضرورية، في تأجيج الغليان في نفوس هؤلاء الشباب، الذين لا يمتلكون شيئا من حطام الدنيا سوى قطع السلاح، التي يحرصون على اقتنائها من أجل الدفاع عن النفس، في ظل انهيار سلطة الدولة وأجهزتها الأمنية. لقد ركب السيد مقتدى هذا التيار الجارف الذي تحركه
العواطف الدينية وغرائز البقاء والانتقام، لكنه لم يستطع قيادة ذلك التيار أو توجيهه، نحو الأهداف الصحيحة، والأدهى من ذلك أن الشاب مقتدى الذي لم يرث من عائلته سوى العمامة السوداء واللقب، أصبح واقعاً تحت تأثير مجموعة من رجال الدين المتطرفين مثل السيد كاظم الحائري المقيم في إيران، فضلا عن ثلة من الشباب ( المعممين) الذين لا يمتلكون أية درجات دينية مرموقة ويفتقرون لأية خبرة سياسية، وهم الذين يتحدثون اليوم باسم الصدر من فوق منابر المساجد أو عبر شاشات الفضائيات، ويعزفون على نغمة واحدة غير مقن