برغم أن القضايا الدولية لا تحظى غالباً باهتمام كبير في الحملات الانتخابية التي تفضل التركيز على الانشغالات المحلية الملتصقة بالرأي العام، فإن النقاش في فرنسا هذه المرة لم يستطع الابتعاد عن قضية تراجع المكانة الاستراتيجية لفرنسا على الساحة الدولية، ليُطرح النقاش في أوساط عديدة حاولت معالجة هذا التراجع أولًا، ثم البحث عن أسبابه والوسائل الكفيلة بمنعه ثانياً. والحقيقة أن سؤال تقهقر المكانة الاستراتيجية لفرنسا يُطرح ضمن سياق عالمي يتحدث بشكل متزايد عن تراجع عام للغرب على الساحة الدولية، مقابل صعود قوى أخرى باتت تنافسه على الريادة والمكانة. وبالطبع فإن تراجع الغرب عن موقعه المتقدم ودوره المهيمن على المسرح العالمي سيؤثر حتماً على موقع فرنسا التي استفادت طيلة العقود الماضية من بروز الغرب وصعود قوته، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية وتحرر فرنسا من الغزو النازي، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط المعسكر الشرقي الذي فسح المجال لارتقاء الغرب إلى القمة. ومن هنا التساؤل الصعب عن كيفية الحفاظ على هذه المكانة، التي ورثتها فرنسا من وضع عالمي يخدم مصلحتها في ظل التحولات العالمية التي تعطي الأفضلية حالياً لقوى الشرق؟ وكيف السبيل إلى ضمان استمرار الحضور الفرنسي رغم تراجع الحاضنة الأساسية، التي كانت وراء المكانة الفرنسية متمثلاً في الغرب؟ وفي هذا السياق، يسعى الكثير من المحللين إلى ربط المكانة الاستراتيجية الفرنسية بمدى الإنقاق على الجانب العسكري، والحصة التي يحتلها هذا الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي، بحيث يُنظر إلى القضايا الاستراتيجية والقوة الفرنسية من منظور أمني صرف يُعلي من شأن الترسانة العسكرية على حساب عناصر القوة الأخرى. والحال أن الصناعة العسكرية رغم ما تحتله من مكانة مهمة في دعم القوة وتثبيت السيطرة وضمان استقلال فرنسا، ورغم دورها من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإنها تبقى في النهاية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، ولا يمكن تحليل دور فرنسا ومكانتها على الساحة العالمية بالتركيز فقط على نفقاتها العسكرية. وفيما عدا التخوفات التي يبديها البعض من تعاظم الإنقاق العسكري وتأثيره على باقي الجوانب الاقتصادية، أو بالعكس انكماش ميزانية الدفاع ومن ثم تعريض فرنسا للخطر، يظل النقاش المنحصر في الجانب العسكري قاصراً عن معالجة المصالح القومية الأساسية للدولة الفرنسية، لا سيما في ظل غياب التفكير الاستراتيجي العالمي الذي من دونه ستتعمق حالة التراجع الفرنسي. ومن الأسئلة التي يتعين الإجابة عليها: هل يتعين على فرنسا ربط موازنتها الدفاعية بالزيادات المطردة في الموازنات الصينية والهندية والأميركية كما يدعو البعض؟ فقد رأينا كيف اختارت الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الهروب إلى الأمام والمراهنة شبه الكلية على تطوير قدراتها العسكرية باعتبارها الحل الوحيد للمسألة الأمنية لترتفع نفقاتها العسكرية من 280 مليار دولار قبل هجمات 2001 إلى 700 مليار دولار حالياً، فهل يمكن القول إن الأمن الأميركي تحسن اليوم بعد هذه الزيادة المهولة في الإنفاق العسكري؟ وهل يتعين على فرنسا الأخذ في الاعتبار التحذير الذي أطلقه وزير الدفاع الأميركي السابق، "روبرت جيتس"، في خطابه الوداعي ببروكسل في 2011 عندما طالب الأوروبيين بالزيادة في نفقاتهم العسكرية وتطوير قدراتهم التسلحية لأن الكونجرس الأميركي تعب من الزيادة في موازنة الكونجرس؟ أم أن ذلك كله لا يصب في المصلحة الأوروبية، وبالتالي لا مبرر له في الوقت الحالي؟ وفي بعض الأحيان يُقال إنه يتعين على أوروبا سد الثغرات المهمة في قدراتها العسكرية التي كشف عنها التدخل في أفغانستان وليبيا، لكن أليس من الأجدى التفكير في أسس هذه التدخلات الأجنبية أصلًا؟ وما إذا كان من الضروري القيام والتورط في صراعات دولية نحن في غنى عنها؟ وهل يتعين الانجرار كل مرة إلى حروب وصراعات تنتهي بعمليات محاربة التمرد التي يصعب لأي قوة الخروج منتصرة منها؟ وما دمنا نتحدث عن المكانة الاستراتيجية الفرنسية في الساحة الدولية، ألا يتعين علينا في الأوساط الفكرية مناقشة تداعيات الانضمام الفرنسي إلى هياكل قيادة حلف شمال الأطلسي بعدما ظلت فرنسا بعيدة عنها طيلة عقود طويلة؟ فمع أن هذا الالتحاق الفرنسي المتأخر بهياكل قيادة حلف شمال الأطلسي، لم يحدث أي تغيير ملموس على المشاركة الفرنسية، ولم يثقل كاهلنا بأعباء إضافية، بحيث كانت فرنسا دائماً حاضرة في تدخلات الحلف، إلا أنه أيضاً لم تستفد فرنسا ولا أوروبا من هذا الانضمام وظلت الاختلالات الدفاعية في القدرات العسكرية واضحة وجلية كما تأكد ذلك في ليبيا على سبيل المثال، بل إن السؤال الأكبر هو الدور الفرنسي في صياغة سياسة "الناتو" التوسعية الباحثة عن مناطق نفوذ على الحدود الشرقية لأوروبا، وهل نقبل بأن نكون جزءاً من حلف يريد التحول إلى ذراع عسكرية ضاربة للغرب؟ وما الصوت المتميز الذي تحرص فرنسا على الإدلاء به؟ علماً أنه صوت حرص رؤساء فرنسا السابقون على رعايته حتى تحافظ فرنسا على تفردها واستقلال قرارها العسكري والسياسي؟ وماذا نقول في هذا السياق عن المشروع المتجدد لحلف شمال الأطلسي بنشر نظام للصواريخ على الحدود الشرقية، لا سيما وأنه نظام باهظ التكلفة وسيرهق مالية الدول المشتركة، كما أن أهيمته الاستراتيجية غير مبررة، ناهيك عن سباق التسلح الذي سيطلقه في العالم؟ أليس هذا النظام بالإضافة إلى برامج عسكرية أخرى الهدف منها هو إرضاء الصناعة العسكرية على حساب الاحتياجات الأمنية الحقيقية لأوروبا وفرنسا؟ وفي الأخير، ومع أن سؤال فقدان فرنسا لمكانتها الاستراتيجية يبقى حقيقياً، ولا يمكن إنكاره رغم كل التساؤلات المحيطة، إلا أنه مرتبط أكثر بغياب التفكير الشمولي حول التحولات الاستراتيجية العالمية ودور فرنسا ضمن هذا السياق المتغير. وليست المقولات التي يروج لها حلف شمال الأطلسي بشأن تطوير القدرات العسكرية، هي التي ستساعدنا على فهم التغيرات العالمية وامتلاك الرؤية الاستراتيجية للتعامل معها.