تفرض الظروف الاقتصادية العالمية على حكومات الدول ضرورة أن تعدّ العدّة والتجهيز الداخلي من أجل تحسين الوضع التنافسي للاقتصاد الوطني، حتى يتمكن من مجاراة التطوّرات الحادثة على الساحة العالمية، وأن يكون قادراً بداية على إنتاج سلع وخدمات متطوّرة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية ناهيك عن المنافسة في الأسواق المحلية المنفتحة بدورها على الأسواق العالمية، هذا إلى جانب تهيئة المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال الوطنية لكي تكون قادرة على احتضان مختلف الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي المنافسة على خريطة الاستثمار العالمية من أجل اجتذاب الاستثمارات الأجنبية والشركات الكبرى والمستثمرين ذوي الخبرة إلى أراضيها، وتمثل دولة الإمارات واحدة من الدول ذات التجارب الناجحة في هذا الشأن على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى مستوى العالم عموماً. وقد عملت الإمارات منذ نشأتها على تطوير بنيتها التحتية لتكون واحدة من البنى التحتية الأكثر تطوّراً بين منافسيها، فأنشأت الطرق والجسور ومدّت المرافق المتكاملة والمتطورة إلى جميع المناطق القريبة منها والنائية، وأنشأت المطارات المتطورة وذات الطاقات الاستيعابية التي لا يضاهيها الكثير من المطارات على مستوى العالم، فباتت تنافس أكبر المطارات حول العالم في استقبال المسافرين، وكذلك في تقديم الخدمات اللوجستية، بخلاف خدمات الشحن والتفريغ التي أصبحت ذات دور مهم في تأصيل المراتب التنافسية للمطارات الوطنية على المستوى العالمي، وتعدّ هذه المطارات إلى جانب الموانئ البحرية المطوّرة أيضاً بمنزلة القنوات التي تربط الاقتصاد الإماراتي بالعالم الخارجي. ويأتي هذا العمل الإماراتي الدؤوب والمتواصل في إطار الوعي التام بأن الانفتاح على العالم الخارجي والاندماج في الاقتصاد العالمي لم يعد فقط خياراً تمتلكه الدول، بل إن الاقتصادات الوطنية باتت أكثر ترابطاً واعتماداً على بعضها بعضاً، تتشابك وتتفاعل في ما بينها بما لا يترك الفرصة لأي منها للبقاء منعزلاً بعيداً عن باقي الاقتصادات، وخاصة في ظل عدم قدرة أي اقتصاد من هذه الاقتصادات على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع احتياجاته من السلع والخدمات بخلاف المواد الأولية ومدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة، وتفرض ظروف تنامي أعداد السكان وتطوّر احتياجاتهم المزيد من الاحتياج للخارج، وبالتالي فإن الانفتاح على العالم الخارجي والاندماج في الاقتصاد العالمي يظل مطلباً ضروريّاً لاستيفاء أوجه القصور التي تعانيها الاقتصادات الوطنية، وتوظيف الفوائض التي تتوافر لديها. وعموماً فإن تجربة دولة الإمارات سواءً على مستوى بناء القدرات الذاتية للاقتصاد الوطني بداية من تطوير البنى التحتية والتكنولوجية وصولاً إلى تطوير طاقاته الإنتاجية، والوصول به إلى مستوى من التطور يمكنه من المنافسة العالمية، ومن ثم بناء قنوات الاتصال مع العالم الخارجي وتطويرها من خلال المطارات والموانئ ووسائل الاتصال والتواصل الحديث، كل هذه الجهود قد تمكنت من الوصول إلى مستوى من النضج والكفاءة بما أهّلها لتكون واحدة من الأقطاب الاقتصادية المهمّة على المستوى الإقليمي، وواحدة من الاقتصادات التي يعوّل عليها للمساعدة على النهوض بالاقتصاد العالمي وإخراجه من دائرة التعثر الحالي بسبب الأزمة المالية العالمية، ووضع أقدامه على الطريق السليم نحو التعافي الكامل. ـــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.