تتعرض الهند في الوقت الراهن لضغط متزايد من أجل تقليص علاقاتها النفطية مع إيران، بعد أن رفضت واشنطن إعفاءها من العقوبات المالية التي ستترتب عليها فيما لو استمرت في شراء النفط من طهران. وكانت الولايات المتحدة قد أعفت اليابان وعشر دول من دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك بريطانيا من العقوبات التي سيتم تطبيقها بشكل كامل في نهاية شهر يونيو القادم، لأن تلك الدول- وكما جاء في بيان أميركي- "خفضت مشترياتها من النفط الإيراني بشكل جذري"، ولكن ذلك البيان استثنى الهند والصين، وهما أكبر المستوردين للنفط الإيراني من ذلك الإعفاء. تستورد الهند 12 في المئة من احتياجاتها النفطية من إيران التي تأتي في المركز الثاني كأكبر الدول الموردة لهذه المادة للهند بعد السعودية. وعلى الرغم من أن واردات النفط الهندي من إيران كانت تتقلص تدريجياً بسبب الجهود التي بذلتها لتخفيف اعتمادها على نفط ذلك البلد، فإن القرار الأميركي قد جاء بمثابة تحذير للهند بأن عليها أن تبذل المزيد من الجهود لإجراء المزيد من التقليص لوارداتها من إيران، ولروابطها الأخرى معها. وعلى الرغم من أن الهند قد رفضت حتى الآن الاصطفاف مع الولايات المتحدة ضد إيران وأصرت على أنها ستتبع نهجها الخاص في التعامل مع هذه المسألة، بما يتفق مع مصالحها الوطنية في المقام الأول، إلا أن الحقيقة أنها تواجه صعوبات جمة، بسبب العقوبات المفروضة على إيران، والتي تقلص من قدرة الشركات الهندية المختلفة على استيراد النفط منها. ويذكر أن الهند استوردت خلال الفترة 2008- 2009 كميات من النفط تقدر بـ21.8 مليون طن سنوياً. ثم انخفضت تلك الكمية بعد ذلك إلى 18.5 مليون طن خلال الفترة 2010-2011. وعندما يتم إعلان أرقام الكميات المستوردة للفترة 2011-2012 فإن هذا الرقم سينخفض ليصل إلى 16.5 مليون طن تقريباً. ويرجع معظم ذلك الانخفاض للصعوبات التي يواجهها المستوردون الهنود في دفع الأموال المستحقة لإيران، وذلك بسبب العقوبات، وبسبب فقرة أميركية تنص على أن الشركات التي تتعامل مع البنك المركزي الإيراني ستحرم من ممارسة النشاط التجاري داخل الولايات المتحدة. والعقوبات الأميركية الجديدة التي ستدخل لحيز السريان والتنفيذ الفعلي اعتباراً من 28 يونيو القادم، ستكون أشد قسوة حيث تهدف لمعاقبة الدول التي تستمر في شراء النفط من إيران عبر منع الشركات الأميركية من العمل في تلك الدول. يُشار إلى أنه كان هناك في الأصل 23 دولة تستورد النفط من إيران، وأن الموجة الأخيرة من الإعفاءات الأميركية لم تمنح سوى لإحدى عشرة دولة فقط. وعلى الرغم من أن الهند قد اتخذت موقفاً أعلنت بموجبه أنها ستلتزم فقط بالعقوبات المفروضة من الأمم المتحدة، وليست بالعقوبات الفردية فقط - أي تلك المفروضة من دولة كالولايات المتحدة مثلًا- فإنها تدرك أن تلك العقوبات ستؤلمها، خصوصاً إذا أصرت الولايات المتحدة على معاقبة الهند بسبب علاقاتها النفطية مع إيران. في هذه المرحلة، ليس معلوماً على وجه الدقة مدى التخفيضات التي تريد الولايات المتحدة من دول مثل الهند والصين وكوريا الجنوبية وتركيا إجراءها على وارداتها. كما أنه ليس معروفاً أيضاً ما إذا كانت الولايات المتحدة ستمضي قدماً في فرض تلك العقوبات على الدول الأخرى التي تتعامل نفطياً مع إيران مع ما قد يؤدي إليه ذلك من حالة من الاضطراب في السوق العالمية لهذه المادة. نتيجة لكل ذلك، سعت الهند وعلى نحو متزايد لإيجاد مصادر بديلة لوارداتها من النفط من دول أخرى مثل السعودية وعُمان على سبيل المثال، لسد احتياجاتها من الطاقة. مع ذلك تظل الحقيقة، وهي أن الهند غير قادرة على إحداث تخفيض جذري في وارداتها من النفط الإيراني، لأن احتياجاتها من هذه المادة آخذة في التزايد، وستستمر في ذلك ربما بوتيرة أسرع خلال السنوات القادمة لأن النمو المستمر في اقتصادها سيدفعها للحصول على النفط من أي مصدر كان. وليس هناك شك في أن واشنطن لم تكن راضية عن الهند بسبب استمرارها في تعزيز علاقتها مع إيران. ويشار في هذا السياق إلى أن هناك جماعات معينة داخل أميركا قد أعربت عن غضبها الشديد تجاه الهند بسبب استمرار تلك العلاقات. مع ذلك يتعين القول إن الهند ليس في مقدورها إجراء عملية تقليص مفاجئ في علاقاتها الأخرى مع إيران، لأن هذه العلاقات مهمة بالنسبة لقدرة الهند على التواصل والوصول إلى دول آسيا الوسطى ومنها لأوروبا. ومع وضع كل تلك العوامل في الحسبان، حرصت الهند مراراً وتكراراً على التأكيد على أنها ترتبط بعلاقات حضارية وثيقة مع إيران، حتى في الوقت الذي تحرص على إقامة علاقات متنامية مع الولايات المتحدة. وهذه الموازنة من جانب الهند في العلاقة بين طهران وواشنطن استمرت لبعض الوقت بيد أنها قد تواجه تحديات كبيرة في المناخ الحالي، الذي تقوم فيه واشنطن بتكثيف ضغوطها عليها. ترى الهند أنه من مصلحتها الاستراتيجية أن تقوم بتنويع علاقاتها مع إيران. فبالإضافة لعلاقاتها النفطية قام وفد تجاري هندي برئاسة مسؤول كبير من وزارة الصناعة بزيارة لإيران مؤخراً للنظر في إمكانية عقد صفات تجارية، كما تستعد الهند أيضاً لاستضافة وفدين من إيران وروسيا لبحث سبل تعزيز مشروعات المواصلات الطموحة بين الدول الثلاث. والهند هي المحرك الأساسي لإنشاء الممر المعروف ممر الشمال والجنوب الذي سيقوم باستكمال الأجزاء الناقصة على خطوط السكك الحديدية والطرق الممتدة من إيران إلى روسيا عبر تركمانستان وكازاخستان. وسياسة الهند الرامية لإحداث نوع من التوازن في علاقاتها مع إيران من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة والذي سبقت الإشارة إليها تواجه مصاعب متزايدة بسبب قيام الولايات المتحدة بتصعيد خطواتها الرامية لعزل إيران بسبب برنامجها النووي، وبسبب ما تكشف من احتمالات لوجود علاقة لإيران بمحاولة اغتيال دبلوماسي إسرائيلي في الهند. وحسب مصادر الشرطة الهندية، فأنه قد تبين أن تلك المحاولة مرتبطة بمحاولة أخرى لمهاجمة أهداف إسرائيلية في العاصمة التايلاندية بانكوك. وقد وضع ذلك الهند في وضع حرج خصوصاً بعد أن اتهمت إسرائيل إيران صراحة بالوقوف وراء الهجومين اللذين استهدفا دبلوماسييها، وهو ما نفته طهران. وفي الأسبوع الماضي، قبضت الشرطة الهندية على صحفي هندي كان يعمل لدى وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، كما قامت أيضاً بإصدار أمر قبض على ثلاثة من الإيرانيين الذين كانوا قد غادروا أراضيها بالفعل. ومع تكشف خيوط تلك المؤامرة تدريجياً، فمما لا شك فيه أن محاولة الهند الاستمرار في سياسة السير على حبل مشدود في علاقاتها مع الأطراف المختلفة ستغدو أكثر صعوبة. د.ذِكْرُ الرحمن مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي