الملاحظ في السنوات الأخيرة وجود هجمة شرسة من قبل بعض القنوات الفضائية على إنتاج برامج تُعنى بالمواهب على شكل مسابقات فنيّة متنوعة. ويُرجع اهتمام القائمين عليها إلى رغبتهم في الاستحواذ على اهتمام الشارع العربي واستقطاب أكبر قدر من المشاهدين، وبالتالي الحصول على أكبر قدر من العقود الإعلانية التي تجلب أموالاً طائلة لأصحاب هذه القنوات. أنا لستُ ضد هذه النوعية من البرامج إذا كانت تصب بالفعل في تثقيف مجتمعاتنا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تُساهم حقيقة هذه البرامج في صناعة نجوم نفخر بهم مستقبلاً؟! قد يكون سؤالًا خبيثاً نوعاً ما لعلم الأغلبية أن العديد من برامج المسابقات الفنيّة التي ظهرت منذ عدة سنوات وكان لها وقتها ظهور برّاق قد اختفت بقدرة قادر ولم يعد لها وجود حالياً! الكثيرون يتساءلون بحيرة.. أين النجوم الواعدون الذين صوّتت لهم بكثافة جماهير الأمس؟! لماذا لم يُحققوا نجاحات تذكر على أرض الواقع رغم أصواتهم الجميلة التي يملكونها؟! لماذا لم نسمع عن أغان لهم صدحت في الآفاق؟! هل هذا يعود إلى تردّي الذوق العربي وتصديق النجم الواعد مقولة "الجمهور عاوز كده"؟! هل هذا يعود إلى اضطرار الفنان الصاعد ركوب الموجة السائدة وتقديم تنازلات قاسية، لكي يبقى متواجداً في الساحة الفنيّة الزاخرة بمعدومي الموهبة؟! هل هذا يعود إلى المنافسات غير الشريفة التي تجري في الخفاء، ومحاولات بعض النجوم الكبار الذين خبا نجمهم وأنفضّ الجمع من حولهم، إلى محاربة النجوم الواعدين والانقضاض عليهم في جنح الظلام ليظلّوا هم في الواجهة؟! الملاحظ أن كافة البرامج العربية الناجحة هي للأسف مأخوذة من برامج ذاع صيتها عالمياً مما أثار لعاب المنتجين العرب لأخذ حق بثها بنسخ عربية! هل هذا يُثبت أننا لسنا شعوباً خلاّقة كوننا لم نعد نبتكر الجديد في كل ما يخصُّ أمور حياتنا؟! والسؤال الأهم.. لماذا في الغرب ينجح النجم الذي يفوز باللقب، وفي بلداننا العربية يتلاشى اسمه بعد فترة وجيزة؟! حقيقة أنا أشفق على أي نجم عربي يصل إلى النهائيات وينتزع اللقب، فهو في البداية يكون محاطاً بوسائل الإعلام والصحافة، ويحصل وقتها على الكثير من الامتيازات مما يجعله يتمايل فرحاً، ليستيقظ فجأة من حلمه ويجد نفسه وحيداً لا يعرف كيف يُمكنه الخروج من عنق الزجاجة! صناعة النجوم غير معروفة في عالمنا العربي، وإنما نقلّد مشية الغراب بجهالة! نحن نفتقر لصناعة نجوم حقيقيين، ليس فقط في مجال الغناء، بل في كافة مجالات الفنون بما فيها الأدب والشعر. الفنون هي الواجهة المضيئة لأي شعب متحضّر لتأثيرها الإيجابي على كافة مجالات الحياة. وأتمنى كما تُدعم دولنا العربية رياضة كرة القدم وتخصّص لها ميزانيات ضخمة، أن تُقدّم جزءاً من هذا الدعم لمؤسسات خاصة تُعنى برعاية براعم الفن منذ نعومة أظافرها وتسعى لصقل مواهبها بدلًا من أن تتركها عرضة للاستغلال بشتى أنواعه! قلت في واحدة من مقالاتي إن زمن العمالقة من أمثال أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وعبد الحليم حافظ قد ولى إلى غير رجعة. ورغم أن هؤلاء صنعوا مجدهم بأيديهم وباجتهاداتهم الشخصية وتحمّلوا الكثير من أجل فنهم، إلا أنهم كانوا محظوظين كونهم عاشوا في عصر عمالقة الموسيقى الذين أرشدوهم إلى دروب الفن الراقي حتّى تركوا وراءهم إرثاً فنيّاً خالداً. أتمنى من النجوم الواعدين أن يحرصوا على بقاء شمعتهم مضيئة حتى لا ينساهم الناس الذين لحق بذاكرتهم عطب النسيان!