لا شك أنّ عقد مؤتمر القمة العربي في بغداد يُعتبر علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث. فالعزلة الرهيبة التي عاشها العراق خلال الثلاثين عاماً الماضية من حروب وحصار واحتلال، تركت بصمة سوداء في الحاضر العراقي، وجعلته مسرحاً لهيمنة، أو هيمنات أجنبية متعددة. وبالرغم من عدم انقضاء هذه الآثار، أو انحسارها، فإن العراق حاول جاهداً خلال الأشهر القليلة الماضية تحسين علاقاته مع دول الجوار العربي، خاصةً مع دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. وأدى رئيس الوزراء العراقي المالكي زيارة لدولة الكويت في الشهر الماضي، واتفق معها على بعض الإجراءات الخاصة بتعويضات حرب عام 1990. كما دفعت الحكومة العراقية مستحقات لعمال مصريين كانوا يعملون في العراق، وفرّوا من أعمالهم مع بداية الاحتلال الأميركي عام 2003. وإن كان هناك من أي أثر سياسي أو أيديولوجي للحرب التي خاضها العراق، أو كان ضحية لها، فهي في انحسار التوجه العروبي للعراق، وارتفاع النزعات الطائفية فيه. وحيث أن العراق تعيش فيه أقليات ومذاهب متعددة، فإنه بحاجة لنظرية سياسية يجمع عليها أغلب مواطنيه. ولا أشك أنّ الوطنية العراقية، والأرومة العربية هما الحضن الدفئ الذي يمكن أن يلمّ أبناء شعب تقاذفته الأهواء والمصالح. لقد عاش العراق ردحاً من الزمن كواجهة شرقية قوية للعالم العربي، وها هو اليوم يعود، وإن بشيءٍ من التردد، لحاضنته الأولى. وهو يفعل ذلك لمصلحة الدولة والنظام العراقيين في آن واحد. فوجود الزعماء العرب في عاصمة الرشيد هو بمثابة ورقة اعتماد سياسي للنظام الحالي في بلد خرج لتوه من بوتقة الاحتلال. وهو يخرج من هذه البوتقة بشكل غير متجانس، فمعدنه يلمع بألوان مختلفة، وإن لم تكن على الدوام زاهية. والعراق بحاجة لعالمه العربي، وبخاصة لعلاقات طبيعية بينه وبين المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى. فالعراق بلد مغلق، والخليج رئته إلى العالم الخارجي. وفي وقت تهدد فيه إيران بإغلاق مضيق هرمز، وإن مؤقتاً، فإن العراق بحاجة إلى منفذ إلى البحر. وهو في الوقت الحاضر يصدر حوالي 700 ألف برميل من نفطه يومياً عبر تركيا، والبقية عبر موانئه الجنوبية. ويمكن للعراق أن يستفيد من أنبوب نقل نفطه المعطل عبر الأراضي السعودية والذي يصب في مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر. والعراق يدرك الوضع الجيو استراتيجي الذي يعيش فيه بين ثلاث دول كبرى، هي تركيا وإيران والسعودية، وليس من مصلحته، لاسيما إن كان ذلك على أساس طائفي، أن يبقى ساحة خلفية للمصالح الإيرانية، بل أن مصلحته ومصلحة شعبه العربي، أن يعيد التواصل مع جذوره القديمة المنطلقة من الجزيرة العربية. ومثلما يريد العرب عودة العراق إلى حاضنته الأساس، فإنه بدوره يحتاج إلى مثل هذا التواصل كي يستعيد توازنه الداخلي. فبعد سنوات طويلة من الصراع الداخلي لم يتمكن العراق من التصالح مع نفسه، وظلت النخب العراقية تعاني من توجس هائل في علاقاتها الثنائية، وهي بحاجة إلى لملمة جراحاتها، وإعادة تفعيل المصالحة عبر برنامج المشاركة السياسية في السلطة، والذي اتفقت عليه هذه الفصائل في العام الماضي، وثمة حاجة ماسة الآن إلى إعادة تفعيله عبر المؤتمر الوطني المقرر عقده في أوائل شهر إبريل القادم. والعراق الذي عانى في الماضي من ويلات الحروب والصراعات الطائفية، بحاجة ماسة إلى عرس دبلوماسي يُعيد فيه إظهار وجهه العربي الذي خبت صورته منذ عقد كامل من الزمن. وعلى العالم العربي أن يعيد العراق إلى حضنه الأصيل عبر برنامج تأهيل وتنمية للموارد والخدمات البشرية، من صحة وتعليم وغيرها من البرامج التنموية. لكن التنمية الاقتصادية لن تكون كافية في إعادة العافية لشعب كاد يتشرذم على أساس مذهبي وطائفي. فاللحمة السياسية لا يمكن أن تُبنى بين ليلة وضحاها، فهي بحاجة إلى أياد مخلصة تمتد من قِبل كل القيادات والأطراف السياسية. فمستقبل البلاد أعلى وأسمى من مستقبل حزب أو طائفة، وينبغي تبنّي سياسات إعادة بناء الثقة بين الأطراف والزعامات السياسية في العراق. وهنا يمكن للدول العربية، خاصةً دول مجلس التعاون الخليجي، أن تلعب مثل هذا الدور، على أن تتحلى بعض القيادات العراقية بسمات الاستقلال والارتفاع عن النظرات الضيقة، حتى ترتفع لمستوى المسؤولية، وتستعيد ثقة شعبها والشعوب والقيادات العربية في مثل تلك القيادات. لقد سئم العراقيون الحروب والصراعات واللعبة الطائفية، وهم بحاجة اليوم إلى التعاون مع دول الجوار العربية، في أن يفتحوا صفحة مشرقة وواعدة للتعاون والتآزر من أجل التنمية والتبادل التجاري الذي سينعكس على مستويات المعيشة والتعليم والخدمات العامة في بلد أنهكته سنوات الحروب والحصار والانعزال. أ.د. صالح المانع