الفكرة السائدة لدى الكثيرين هي أن القادة عندما يتخذون قراراً فذلك يكون عادة بعد بحث وتشاور مع المستشارين، بيد أن المرء عندما يقرأ سيرة شخصية لأحد القادة ممن يكن لهم إعجاباً، فإنه يكتشف أن الكثير من تلك القرارات كانت تغلب عليها النزعة الشخصية، بل وتتخذ طابعاً تعسفياً في بعض الأحيان. وهذا تحديداً ما سيستنتجه القارئ بالنسبة لقائدين ملأا الدنيا وشغلا الناس في عهدهما، وهما الرئيس الأميركي رونالد ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، وذلك عند قراءة الكتاب "ريجان وتاتشر: العلاقة الصعبة"، لمؤلفه "ريتشارد الدوس"، أستاذ التاريخ البريطاني بجامعة "بارد". فالرواية التي يقدمها لهذا الثنائي الأنجلو أميركي، تتضمن الكثير من المفاجآت التي لا يتوقعها القراء، حيث كانت الفكرة السائدة أن "روني"، ولقب التدليل لريجان"، و"ماجي"، وهو لقب التدليل لـ"تاتشر"،كانا على علاقة وثيقة مع بعضهما بعضاً لدرجة أن الخيال قد ذهب بالبعض إلى القول بأن هناك قصة غرام بينهما! يقول الكاتب إن ذلك لم يكن سوى أسطورة سادت في نصف القرن الأخير، وإن "روني" و"ماجي" كانا يمسكان بخناق بعضهما بعضاً في كثير من المسائل والقضايا: وكثيراً ما كانت تاتشر توجه لريجان الانتقادات العنيفة في اللقاءات الرسمية، فيحاول تلافيها أو يتظاهر بالابتسام ثم يعود لاستئناف النقاش وكأنه رجل ذو روح طيبة. وكان من أبرز المجادلات والسجالات الكثيرة بينهما تلك التي تبادلاها عندما أمرت تاتشر قواتها البحرية بغزو جزر الفوكلاند، الغزو الذي انتقدته أميركا كثيراً لأن بريطانيا تعدت على النفوذ الحيوي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. وأيضاً تلك التي وجهتها تاتشر لريجان عند غزوه جزيرة "جرينادا" الصغيرة، وكذلك خلافاتهما المستعصية حول الموضوع الأثير لريجان وهو "مبادرة الدفاع الاستراتيجي". ورغم انتقاداتها اللاذعة، فإن تاتشر كانت تؤمن أن الاحتفاظ بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأميركي أمر ضروري حتى تتمكن من مقابلته في أي وقت تريده. وكما يقول المؤلف فإن تاتشر إذا ما خطر على بالها مقابلة ريجان لأمر من الأمور، فإنه لا شيء كان يحول بينها وبين ذلك. فقد قامت ذات مرة برحلة حول نصف العالم تقريباً من بكين إلى واشنطن. كل ذلك للقاء مع ريجان لم يستغرق سوى ساعتين ورغم عدم توافر مادة كافية عن السيرة الشخصية للزعيمين، فإن المؤلف استطاع استقاء بعض المعلومات المهمة من مقربيهما، وعلى الأخص الساسة البريطانيين مثل الوزيز"آلان كلارك" الذي يستقى المؤلف من مذكراته الكثير من المعلومات، بالإضافة ليوميات ريجان. واستطاع المؤلف بأسلوبه السلس والمفعم بالحيوية أن يعيد إلى الحياة أكثر اللحظات دراماتيكية في علاقة الزعيمين، فيصف كيف أن ريجان وجورباتشوف اتفقا تقريباً في قمة ريكيافيك عام 1986 على نقل الترسانة النووية لبلديهما في أوروبا، وذلك قبل أن تتعثر الاتفاقية بسبب خلافهما حول بنود مبادرة الدفاع الخاصة التي كان ريجان قد أعلنها في مارس 1983. ورغم أن الكاتب حاول قدر الإمكان تجنب استخدام الشعارات البراقة لتلك الفترة، ما يضفي على كتابه موضوعية، فإنه قد قصر في إبراز السياق الذي جرت فيه الأحداث والروايات التي ضمّنها كتابه. فلم يكتب مثلاً عن السياق الذي برزت فيه تاتشر في الحياة السياسية البريطانية، ولا المصاعب التي واجهتها، والمعاناة التي مرت بها في التعامل مع بعض الساسة، وكذلك سياساتها الاقتصادية الجذرية، وسياستها المالية والضريبية، وسياساتها الخارجية نحو أوروبا وتأييدها انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي. نفس الشيء بالنسبة لريجان، حيث لم يتناول الكاتب تفاصيل إنجازاته الاقتصادية، ومنها اعتماده نهج الحكومة المصغرة، والحد من التضخم، وتخفيض الضرائب على الأغنياء، والحد من القيود المفروضة على القطاع الخاص. وينهي المؤلف كتابه بتناول حياة ريجان وتاتشر بعد أن خرجا من الحكم وكيف أن تاتشر لم تخرج من الحياة السياسية تماماً، فكانت تعلق على سياسات خلفها "ميجر"، وتلقي المحاضرات، وتحضر الندوات، وتسافر في زيارات، وتؤلف كتاباً عن تجربتها في الحكم. أما ريجان فأصيب بعد سنوات من تقاعده بمرض التلف الدماغي (الزهايمر)، وهو ذات المرض الذي تعاني منه تاتشر. وبلغ ريجان من شجاعته أن أعلن عن مرضه بنفسه عام 1994 في كلمة مؤثرة موجهة للمواطنين الأميركيين شكرهم فيها على "الشرف العظيم الذي منحوه له بجعله رئيساً"، وذلك قبل وفاته عام 2004 عن عمر يناهز 93 عاماً. سعيد كامل -------- الكتاب: ريجان وتاتشر... العلاقة الصعبة المؤلف: ريتشارد الدوس الناشر: دبليو دبليو نورتون آند كومباني تاريخ النشر: 2012