تواصل الأزمة الإيرانية تصدرها لعناوين الأخبار في الولايات المتحدة وإسرائيل مع تكرار قادة الدولة العبرية سواء رئيس الوزراء، نتنياهو، أو وزير دفاعه، إيهود باراك، التصريحات نفسها المحذرة من قرب استهداف المنشآت النووية الإيرانية، ولذا لم تكن صحيفة "نيويورك تايمز" مخطئة عندما وصفت النقاش الدائر حاليّاً بشأن إيران بأن من يحركه هو جماعة "الصقور" داخل الكونجرس وأصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة الذين صعّدوا نبرتهم المحذرة من إيران نووية. ولكن لا يبدو أن أوباما مستعد لمسايرة الخطاب المتشدد ولا مواكبة ما يريده "الصقور"، فقد حذر سابقاً من أية تداعيات غير مقصودة للخطاب الداعي للحرب، وهو التخوف ذاته الذي تردد صداه من قبل شخصيتين أوروبيتين مرموقتين هما "كارل بيلت" "وإيركي توميوجا"، وزيرا خارجية السويد وفنلندا على التوالي عندما نشرا خلال الأسبوع الماضي مقالاً في صحيفة "نيويورك تايمز" يحذران فيه من أن أي هجوم على إيران سيكون "انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة"، وأن أي عمل عسكري ستترتب عليه "تداعيات خطيرة وسلبية" في المنطقة. وحث الوزيران كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل على الاعتراف بالدبلوماسية باعتبارها الطريق الوحيد لأية تسوية مستدامة، أما باقي الاقتراحات فهي كلها تصب في طريق الحرب والدمار. وفي نفس الوقت تقريباً كشفت الصحيفة ذاتها عن محاكاة عسكرية أجرتها القوات الأميركية لتقييم نتائج التدخل العسكري ضد إيران، فانتهت إلى أن هجوماً عسكريّاً على إيران سيؤدي إلى حرب أوسع في المنطقة وجر الولايات المتحدة إلى صراع سيتسبب، حسب المحاكاة العسكرية، في قتل المئات من الجنود الأميركيين. والحقيقة أنني أجدني مؤيداً للفكرة التي طرحها الدبلوماسيان الأوروبيان ومؤداها أن الأزمة الإيرانية يمكن حلها سلميّاً بعيداً عن قرع طبول الحرب بعدما دخل الصراع منعطفاً جديداً لم تعرفه النزاعات من قبل. والسبب هو الطبيعة المعقدة لهذا الصراع الذي تدخل في إطاره أيضاً سلسلة من الاغتيالات استهدفت علماء إيران النوويين. وإذا كانت الحرب السرية ضد إيران تشمل التقنيات التقليدية المعروفة في عالم الاستخبارات، إلا أنها أيضاً تشهد سلاحاً جديداً يدشن عصراً غير مسبوق في العمليات السرية، متجاوزاً بذلك الطبيعة التقليدية للحروب المعتمدة على المدفعية والطيران والغواصات ونشر الآلاف من الجنود، فقد تفتقت أذهان المتصارعين عن سلاح جديد يستخدم فيروسات إلكترونية يتم تصنيعها خصيصاً لضرب عمليات تشغيل الكمبيوترات التي تتحكم في إدارة أجهزة الطرد المركزي داخل المفاعلات الإيرانية، وسمي الفيروس المنوط به تعطيل عملية التخصيب ومن ثم إرباك المشروع الإيراني، "ستاكسنيت"، وربما يكون هو أول فيروس يتم استخدامه كسلاح يستهدف أنظمة معلوماتية ويهدف إلى اختراق أجهزة التحكم في المنشآت النووية الإيرانية على أمل تعطيلها. وحسب صحيفة "نيويورك تايمز" تقف وراء الفيروس كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى تلقي مساعدة من ألمانيا وبريطانيا، وبالفعل فقد تمكن الفيروس من إلحاق أضرار بالغة بحوالي ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي بالمفاعلات الإيرانية وتأخير البرنامج النووي. وإذا ما تأكد الأمر فإننا أمام حروب جديدة تأخذ عدة أبعاد منها أنها المرة الأولى التي تتعرض فيها دولة إلى هجوم مباشر على أنظمتها المعلوماتية، وبذا فقد باتت الدول نفسها التي تحتكر القوة الصلبة فريسة سهلة لاختراقات تكلفها غاليّاً. والبعد الثاني لهذا الهجوم هو فقدان الجيوش التقليدية بأسلحتها المعروفة لأهميتها في ظل الحرب الإلكترونية الجديدة، حيث لم تعد الدول بترساناتها المتطورة من الأسلحة قادرة على صد هجوم إلكتروني يتسرب إلى أنظمة التشغيل ويعطل مرافق بأكملها ذات حساسية خاصة. وأخيراً تتيح الحرب الإلكترونية تنفيذ هجمات كبيرة على العدو دون تكلفة باهظة كتلك التي تتكبدها الدول عند شن هجوم تقليدي بجيش جرار، فكل ما تحتاجه الحروب الإلكترونية التي تستهدف الدول ومرافقها الحيوية هو أجهزة كمبيوتر متطورة وأدمغة الناس، وهو بدوره ما يقودنا إلى نوع من المساواة بين الأطراف كافة في الحرب الإلكترونية، إذ لم يعد لأحد قصب السبق على الآخر خلافاً للحروب التقليدية التي تستدعي معدات وأجهزة وأسلحة قد لا تتوافر للبعض. وكل ما تتطلبه الحرب الجديدة هو توظيف عقول الناس واستغلالها الاستغلال الأمثل، وبهذا المعنى قد تصبح الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى عرضة لهجمات إلكترونية من دول وكيانات صغرى، وهو بالفعل ما أكده في الأسبوع الماضي الجنرال "كيث ألكسندر"، المسؤول عن القيادة الإلكترونية في الجيش الأميركي عندما حذر لجنة الكونجرس المختصة من أن تعرض الولايات المتحدة لهجوم إلكتروني بات مسألة وقت فقط، ولذا دعا الجنرال الأميركي إلى فرض ضوابط دولية ضمن اتفاقات عالمية بشأن التكنولوجيا المستخدمة في الحروب الإلكترونية. وفي ظل الصراع الإلكتروني ستفقد القوى الكبرى تفوقها المعهود لتصبح دول أصغر قادرة على الرد واختراق أجهزة حساسة للدول المتقدمة، وهو ما حصل مع الطائرة الأميركية بدون طيار التي استطاع الإيرانيون، أمام ذهول الأميركيين، اختراق نظام قيادتها وقيل إنهم قاموا بإنزالها في إيران. وقد تكرر الأمر أيضاً مع إسرائيل عندما تمكن شاب قيل إنه سعودي من اختراق حسابات خاصة لبطاقات ائتمانية إسرائيلية ونشرها على الإنترنت، كما تمكن لاحقاً من تعطيل مواقع إلكترونية تابعة لسوق الأسهم في تل أبيب وموقع شركة الطيران الإسرائيلية.