حقق علماء تحدوا قيود الاحتلال العسكري قفزةً كبيرةً إلى الأمام بالنسبة لحياة رعاة فلسطينيين تقليديين في ركن قصي من الضفة الغربية، وتحديداً في شعب البطم، حيث أُخرج سكان الخيام في هذه القرية الواقعة على سفح تل صخري جنوب مدينة الخليل، خلال الأشهر القليلة الماضية، من العصور المظلمة بفضل مشروع من تمويل ألماني، يزودهم بالكهرباء لأول مرة من خلال ألواح شمسية وتوربينات الرياح. وتقول "نزهة النجار"، التي كانت تمضي خمس ساعات يومياً من أجل صنع الزبدة في الماضي: "إننا سعداء بوصول الكهرباء". فبفضل جهاز كهربائي، أصبحت هذه المهمة تستغرق أقل من ساعة واحدة اليوم. كما أن استعمال غسالة كهربائية بدلاً من غسل الثياب يدوياً وفر لها وقتاً ثميناً، وبدأت عائلتها تشاهد التلفزيون لأول مرة حيث تقول فرحة: "إن الأطفال يشاهدون البرامج في الليل ويتعلمون منها". غير أن هذه المكاسب باتت اليوم في خطر بسبب صراع أكبر على مستقبل الضفة الغربية، التي استولت عليها إسرائيل عام 1967. الصراع يجمع السلطات الإسرائيلية التي تمنع نمو الفلسطينيين وتحابي المستوطنين اليهود، والاتحاد الأوروبي الذي يرغب في توسيع مشاريع مساعدة الفلسطينيين في مناطق ريفية بالضفة الغربية تعرف بالمنطقة "ج"، وذلك للحفاظ على فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في المستقبل. "المنطقة ج" التي تضم 60 في المئة من مساحة الضفة، ترمز إلى الأراضي التي ظلت تحت سيطرة إسرائيلية كاملة في إطار اتفاق أوسلو لعام 1993. وتضم المنطقة نحو 300 ألف مستوطن إسرائيلي ونصف هذا العدد من الفلسطينيين، في وقت يتم فيه- حسب مسؤولي الأمم المتحدة- توسيع وجود المستوطنين بينما يخضع الفلسطينيون لضغوط إسرائيلية متزايدة بسبب قيود التخطيط وعمليات هدم المنازل وعنف المستوطنين. وفي هذا الإطار، يقول "راميش راجا سينجهام"، المسؤول الأممي للشؤون الإنسانية في الضفة الغربية: "إنه صعب، بل مستحيل على نحو استثنائي"، أن يحصل الفلسطينيون على تراخيص بناء في "المنطقة ج". ونتيجة لذلك، فهم يضطرون للبناء على أراضيهم من دون تراخيص إسرائيلية. والواقع أنه منذ عقود وإسرائيل ترفض ربط سكان قرية "شعب البطم" بشبكتها الكهربائية، بدعوى أن القرية التي يبلغ عدد سكانها 150 نسمة بُنيت وتوسعت على نحو غير قانوني، هذا بينما تقوم إسرائيل بتوفير الماء والكهرباء والطرق لمراكز استيطانية يهودية غير مرخص لها -وغير قانونية وفق القانون الإسرائيلي والدولي- تقع في المناطق المجاورة داخل الضفة الغربية. قرية "شعب البطم" الفقيرة، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بسيارة رباعية الدفع، أصبحت نقطة ساخنة رئيسية في الصراع على "المنطقة ج". ففي بداية هذا الشهر، أصدرت السلطات العسكرية الإسرائيلية أوامر بهدم التوربينات والألواح الشمسية في "شعب البطم"، وفي خمس قرى أخرى بدعوى أنها بنيت على نحو غير قانوني. وفي رد فعلها على ذلك العمل، عبّرت الحكومة الألمانية عن "القلق"، مشيرة إلى أنها "على اتصال مع الحكومة الإسرائيلية من أجل إيجاد حل". وتعليقاً على هذا الهدف، يقول المتحدث باسم السلطات العسكرية الإسرائيلية: "إن كل الخيام والمباني بنيت على نحو غير قانوني. وبالطبع، فإن الألواح الشمسية بنيت أيضاً على نحو غير قانوني. والحال أن استعمال دعم المساعدة الدولية لا يغير من حقيقة أنها تمثل خرقاً للقانون". لكنه أكد بالمقابل على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار نهائي حتى الآن بخصوص مصير الألواح والتوربينات، وأن لجنةً من العسكريين تنكب حالياً على دراسة هذا الموضوع. "النجار"، وهي امرأة ودودة وأمية كانت ترتدي كسوة سوداء تقليدية مطرزة بالبنفسجي، قلقة وتخشى انقطاع التيار الكهربائي، قائلة إن الكهرباء منحتها فرصة لأول مرة لـ"الاسترخاء قليلاً. فالعمل شاق جداً، وقد عملتُ طيلة حياتي، في البداية مع والدي، والآن مع أطفالي. دخلُنا يأتينا من الغنم ويتطلب جهداً كبيراً. وأنا سعيدة لأنني أخذتُ قسطاً من الراحة". وترفض "النجار" في الادعاءات الإسرائيلية بأن قرية "شعب البطم" بنيت على نحو "غير قانوني"؛ فأجدادها عاشوا هنا على مدى أجيال وقرون مديدة، قبل وقت طويل على بدء الاحتلال وقيام إسرائيل. ومن جانبه، يضيف محمد، وهو ابن شقيقها: "إن عمليات الهدم ستعيدنا إلى العصور القديمة"، عندما كان يضطر هو للذهاب نحو قرية "ياتا" فقط من أجل شحن هاتفه النقال. "نعام دوتان"، الذي يساهم في إدارة مشروع كهربة المخيمات البدوية بالضفة الغربية ويبني توربينات الرياح، يقول: "إن الكهرباء تمثل خطوة أولى بالنسبة لهم، وتلبية احتياجاتهم الأساسية هي مفتاح تنميتهم". ويرى "دوتان"، وهو فيزيائي ومدير متقاعد لشركة تكنولوجية، أنه لم تكن ثمة أي جدوى من التقدم بطلب ترخيص لبناء التوربينات لأنها كانت ستقابل بالرفض على أي حال بعد عملية طويلة، وبدلاً من ذلك، فقد قام ببنائها ليلًا حتى لا تلاحظها سلطات الاحتلال. ويذكر هنا أن تقريراً داخلياً للاتحاد الأوروبي أشار أواخر العام الماضي إلى أنه إذا لم توقف إسرائيل سياساتها في المنطقة "ج"، فإن "إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ستصبح أبعد من أي وقت مضى". وفي قرية "شعب البطم"، يقول "دوتان" عن الكهرباء: "إنها ليست تهديداً أمنياً، بل مشروعاً إيجابياً. ماذا يريدون؟ هل يرغبون في أن يزداد الناس فقراً؟ أن يصبحوا أكثر عنفاً؟". --------- بين لينفيلد -الضفة الغربية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"