كي نفهم السبب الذي يجعل دولة مثل روسيا، راغبة في تلمس الأعذار لتصرفات الرئيس السوري، من المهم للغاية أن ندرك مدى الإحساس بالهوان الذي لا يزال القادة الروس يشعرون به بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. ففي وقت من الأوقات خلال ثمانينيات القرن الماضي، كانت القاذفات السوفييتية من طراز "باكفاير" التي تنطلق من قواعد في سوريا وليبيا، تمثل تهديداً رئيسياً للأساطيل التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في البحر الأبيض المتوسط. وكان الاتحاد السوفييتي يتمتع إلى جانب ذلك بعلاقات وثيقة مع نظام صدّام في العراق والحكومة الماركسية في اليمن الجنوبي، وهو ما مكّن روسيا من أن تصبح لاعباً مهماً في الشرق الأوسط. وقد أدى تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، إلى تعريض روسيا لفوضى مالية، وانهيار مجتمعي، تفاقما جراء انخراطها في حرب دموية مع الانفصاليين الشيشان، وتدخل حلف "الناتو" عسكرياً ضد الصرب في البوسنة وفي كوسوفو. وأظهر عجز روسيا عن حماية أصدقائها بما في ذلك من يقعون بالقرب من حدودها، عمقَ الانهيار الذي كان قد حل بالدولة السوفييتية السابقة. وعندما جاء بوتين إلى السلطة عام 2009 خلفاً ليلتسين العليل، فإنه كان متشوقاً لاسترداد مكانة وقيمة روسيا السابقة. والحقيقة أنه خطا خطوات كبيرة على هذا الطريق. وتحت حكم "ميدفيديف" -خلَفُ بوتين سابقاً وسلفه الحالي- عارضت روسيا بقوة تدخل "الناتو" في ليبيا عام 2011، رغم أنها كانت قد دعمت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الذي كان يوفر الذريعة لقصف قوات القذافي. وكانت وجهة النظر الروسية التي قُدمت لتبرير اعتراضها على تدخل "الناتو"، هي أن هذا الأخير قد تجاوز التفويض الذي كان ممنوحاً له بحماية المدنيين وقام بشن حملة فعلية ضد نظام القذافي بهدف الإطاحة به من السلطة في نهاية المطاف. ويبدو أن روسيا مصممة الآن على عدم رؤية هذا الأمر ذاته، أي حدوث تدخل عسكري مماثل يتكرر مع نظام الأسد في سوريا. ورغم أن جزءاً كبيراً من الموقف الروسي الحالي يتعلق بالإحساس بالكرامة الجريحة، على اعتبار أن مد نطاق التفويض الذي منحه مجلس الأمن للناتو في ليبيا كان يعني بوضوح أن الحلف لا يكنّ أي احترام ولا يقيم أي اعتبار لروسيا، فإنه بإمعان النظر سوف نجد أن الأمر يتعلق بقلق روسي قد يكون أعمق كثيراً من الإحساس بالكرامة الجريحة. الروس قوم واقعيون -بأكثر المعاني سلبية لمفهوم الواقعية- لأنهم عادة ما ينظرون إلى أي مكاسب للغرب على أنها تعني -تلقائياً- خسائر لهم. فهم ينظرون إلى الخطوات والتحركات الغربية في ليبيا وسوريا، ليس على أنها أعمال إنسانية بالدرجة الأولى، وإنما باعتبارها جزءاً من حملة أوسع نطاقاً لتقويض التحالفات الروسية في الخارج. وروسيا تدعم الأسد بسبب علاقاته الوثيقة مع إيران. ويمكن القول إن إيران لها مصلحة كبيرة في استمرار العداء بين روسيا والغرب. وإذا ما قدر لنظام الأسد السقوط فإن إيران سوف تفقد أهم حليف لها في الشرق الأوسط، كما ستفقد بالتالي تأثيرها على الأحداث في إقليم الشام. وما سيحدث في حالة سقوط الأسد هو أن "الهلال الشيعي" سيفقد ركناً مهماً من أركانه. وهذا الاختلال في موازين القوة في المنطقة بعد سقوط النظام السوري -لو قدر له السقوط- يمكن أن يجبر قادة النظام الحالي في طهران على إعادة التفكير في استراتيجيتهم، وهو ما قد يقود إلى توجه جديد نحو إقامة علاقات طبيعية مع أميركا، الأمر الذي سيعيد رسم ملامح ميزان القوى في آسيا الوسطى، وإلى تقويض كبير في النفوذ والسيطرة الروسية على جيوبوليتيكا الطاقة. وليس هناك من شك في أن روسيا قد استفادت من إقصاء النظام الإيراني من قبل الغرب. فعدم قدرة إيران على استغلال موقعها الجغرافي الفريد كطريق محتمل لنقل أنواع الوقود الأحفوري المستخرجة من بحر قزوين ومنطقة آسيا الوسطى إلى أوروبا، قد ساهم في تعزيز النفوذ الروسي، حيث لا تزال عملية نقل النفط من كازاخستان، والغاز من تركمانستان، تمر عبر نظام الأنابيب التابع لروسيا. وكنتيجة لذلك نجحت روسيا في الاحتفاظ بنفوذ كبير على ملف إمدادات الطاقة لأوروبا، وهو نفوذ قد تخسره فيما لو نجحت إيران في تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة بعد توجهاتها الجديدة التي قد تنتج عن عملية إعادة التفكير التي أشرنا إليها، خصوصاً وأن ذلك يمكن أن يقود إلى رفع العقوبات الكبيرة المفروضة على الصناعات والسلع الإيرانية. وفي مثل هذه الظروف سوف تظهر خيارات مختلفة ومتعددة، لتطوير موارد إيران واستمرارها في لعب دور دولة الترانزيت أو المعبر لصادرات وواردات جيرانها، وهو ما سيعني ظهرو منافسين جدد لروسيا يقللون من المكاسب التي تحققها، والنفوذ الذي تحتفظ به أيضاً. فروسيا في مثل هذه الحالة لن تتمكن من إبقاء أوروبا رهينة لإمدادات الغاز، وسوف تكون عرضة -من وجهة نظرها هي بالطبع- لمحاولات تطويق وتدخلات من قبل الغرب. وفي الأخير، فإنه إذا ما سقط نظام الأسد، فإن روسيا سوف تفقد قاعدتها في ميناء طرطوس السوري، وهو الميناء الوحيد المطل على البحر المتوسط الذي ما زال يرحب بالأساطيل الروسية.