تحظى الكوادر البشرية الموهوبة في أي دولة باهتمام بالغ، فإذا ما وجدت الرعاية والتشجيع فإنها قد تتحوّل في المستقبل إلى نماذج ناجحة يستفيد منها المجتمع في مختلف المجالات، وإذا ما تمّ تجاهلها وعدم الاهتمام بها فإنها قد تصبح طاقات مهدرة، وهذا ما تدركه بوضوح الدولة وقيادتنا الرشيدة التي لا تألو جهداً في دعم المواهب المواطنة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن هؤلاء هم خير صناعة للمستقبل والاستثمار فيه من أجل نهضة المجتمع ودفع مسيرة حركة التنمية والتطوّر فيه. والاهتمام بهذه الفئة يتجسّد بوضوح في العديد من المبادرات الوطنية المهمة، التي تقدّم أوجه الدعم كافة للعناصر الموهوبة في مختلف المجالات، ومساعدتها على تنمية مواهبها وقدراتها، ويمثل "المشروع الوطني لرعاية الموهوبين"، الذي أطلقه معالي حميد القطامي، وزير التربية والتعليم، رئيس مجلس أمناء "جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز"، والذي تم إعلانه في الدورة الـ (13) للجائزة العام الماضي، أحدث هذه المبادرات، التي تستهدف المتميّزين ومتابعتهم، وتنمية مهاراتهم. إن أهمية هذا المشروع لا تكمن في أنه يأخذ في الاعتبار التوصيات التي وضعها عدد من الخبراء الدوليين في مجال رعاية المواهب وحسب، وإنما لأنه يعتمد أيضاً في تحقيق أهدافه على تطبيق خطة متكاملة لرعاية الموهوبين والمتميّزين في الميدان التربوي، تتضمّن العديد من البرامج الرئيسية التي تستهدف الارتقاء بقدرات الموهوبين، وتعزيز البيئة المحيطة بهم، كبرنامج تنمية المهارات القيادية للموهوبين، وبرنامج إرشادي لتنمية المهارات النفسية والاجتماعية للطلبة الموهوبين، وبرنامج الإرشاد التعليمي والتوجيه المهني لهم، وبرنامج الإرشاد الأسري لأولياء أمور الموهوبين، وبرنامج الدراسات العليا في مجال تربية الموهوبين، الذي يتم من خلاله إلحاق عدد من الكوادر التعليمية بأفضل الجامعات داخل الدولة أو خارجها، التي تمنح مؤهل الدراسات العليا في مجال تربية الموهوبين، وذلك بخلاف التثقيف والنشر العلمي في مجال الموهبة، الذي يؤدّي دوراً مكملاً في استراتيجيات رعاية الموهوبين. إن "المشروع الوطني للموهوبين" خطوة نوعية تنطوي على قدر كبير من الأهمية، تتواكب مع هذه المرحلة التي تشهد فيها الدولة تطوّرات تنموية كبيرة في المجالات كافة، وتطمح إلى تحقيق المزيد في المستقبل القريب، لترسيخ مكانتها على خريطة الاقتصادات العالمية، وهي تراهن في ذلك على العنصر البشري المؤهل القادر على قيادة هذه المرحلة بتحوّلاتها المختلفة، مستلهمة في ذلك تجارب التنمية والتقدم عبر التاريخ، التي تشير جميعها إلى أنه لا يمكن لأي دولة أن تنهض في غياب الإنسان القادر على النهوض بأعباء التنمية ومسؤولياتها، ولا يمكن لها أن تحافظ على نهضتها وتوفر سياج الحماية لها من دون هذا العنصر البشري المؤهل الواعي، وهذا هو أحد أهم أهداف "المشروع الوطني لرعاية الموهوبين"، الذي يسعى إلى تحقيق ذلك من خلال العمل على الارتقاء بقدرات الطلاب وتنمية مهاراتهم في مختلف المجالات العلمية والمعرفية، والحفاظ على مواهبهم التي تعدّ ثروة بشرية نافعة للمجتمع، لأن هؤلاء الطلاب، فور تخرجهم، ومنهم المهندس والطبيب والمدرس والإداري الناجح، سيكونون بلاشك مؤهّلين لتبوُّؤ المراكز القيادية في مواقع العمل والإنتاج المختلفة، وبالشكل الذي يسهم في خدمة الأهداف التنموية للدولة.