من غير المعروف تماماً من أطلق تسمية "الربيع العربي" على الأحداث التي شهدتها بعض البلدان العربية في عامي 2011 و2012 والتي أحدثت تغيرات عميقة في مجتمعات كل من تونس ومصر وليبيا واليمن لتتركز الآن على الأحداث الدامية التي تشهدها سوريا، والتي يكتنفها الغموض بسبب تضارب المصالح الإقليمية والعالمية هناك. وحتى الآن، فإن هذا الربيع لم ينبت أزهاراً ينتشي الناس برحيقها الجميل، بل إن الأوضاع تتجه للمزيد من التدهور الاقتصادي والأمني، ففي كافة هذه البلدان ارتفعت معدلات البطالة وهربت رؤوس الأموال وتدنت عائدات قطاعات اقتصادية رئيسية وتراجع الإنتاج وأصبحت هذه البلدان أكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية، حيث قدرت الجامعة العربية خسائر الربيع العربي بـ 56 مليار دولار وتوقعت أن يتضاعف هذا المبلغ ليصل إلى 120 مليار دولار في هذا العام. وإذا ما أخذنا مصر، كأكبر وأهم بلدان الربيع العربي، فقد انخفضت احتياطيات الدولة إلى أكثر من النصف وربما تتلاشى هذه الاحتياطيات تماماً مع نهاية العام الجاري، وفي المقابل ارتفع الدَّين العام إلى مستويات قياسية بلغت 226 مليار دولار، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر، في الوقت الذي احتدمت فيه الصراعات، مما أدى إلى أن تعلن محافظة بورسعيد مؤخراً عن تهديدها بالانفصال وربما تشكيل "جمهورية بورسعيد"! أما في ليبيا التي استعادت بسرعة مستويات إنتاج النفط، فقد قدرت خسائرها بأكثر من 50 مليار دولار، وذلك إلى جانب عشرات المليارات الموظفة في الخارج وغير القادرة حتى الآن على استردادها، فإنها معرضة بدورها للتجزئة والانقسام أكثر من غيرها، فالولايات النفطية قد تسعى بقوة للانفصال وتشكيل دول مستقلة للاستحواذ على عوائد النفط الهائلة وحرمان بقية المناطق الليبية منها. وفي تونس، يبدو الأمر أكثر استقراراً، إلا أن الاقتصاد التونسي لا يزال يعاني ولم يحقق أي تقدم منذ أكثر من عام، فرؤوس الأموال الهاربة لم تفكر في العودة حتى الآن، وذلك لمخاوف البعض الناجمة عن تحركات بعض المنظمات الداعية إلى تطبيق الشريعة، مما كبد القطاع السياحي المهم في بلدان الربيع العربي خسائر قدرتها منظمة السياحة العربية بأكثر من 100 مليار دولار. أما في اليمن السعيد، فقد اختفى ما تبقى من سعادة لدى الناس ليواجهوا أوضاعاً اقتصادية صعبة ناجمة عن فقدان الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من ثلث قيمته ونقصاً كبيراً في السلع الأساسية وصراعات قبلية وسياسية وطائفية خطيرة، وبالأخص بعد دخول قوى خارجية بثقلها في هذا الصراع في بلد فقير يبحث عن طريقه التنموي. ومن حسن حظ اليمن أنه مجاور لدول مجلس التعاون الخليجي التي بذلت جهوداً مضنية لمساعدته بكافة السبل. ويبدو أن سوريا التي بلغت خسائرها حتى الآن أكثر من 40 مليار دولار ستكون أكثر هذه البلدان تضرراً اقتصاديّاً وتدميراً سياسيّاً وطائفيّاً، فالمحصلة هناك ستكون كارثية لتخرج منها سوريا بلداً مدمراً وممزقاً، كما هو حال العراق الذي تتبخر فيه شهريّاً مليارات الدولارات من عائدات النفط، في الوقت الذي لا تمطر فيه السماء العراقية بشيء من هذا البخار لتسقي أوراق الاقتصاد العراقي الجافة. وحدها البحرين استطاعت بفضل حكمة تعاملها مع الأحداث وبفضل مساندة أشقائها في التحالف الخليجي تجاوز معظم تداعيات العام الماضي بأقل الخسائر لتضع نفسها من جديد على طريق الازدهار الاقتصادي والتنمية، ولتقدم دول المجلس مجتمعة درساً آخر في حل المعضلات التي تواجهها، مما يؤكد على أهمية تطوير آليات العمل الخليجي. والحال أن العالم العربي بحاجة إلى ربيع آخر، ربيع مزدهر اقتصاديّاً ومستقر سياسيّاً ويوفر للمواطن العربي المساواة والحياة الكريمة وفرص العمل والتعليم والخدمات الصحية وأسس التنمية المستدامة بعيداً عن المزايدات والانقسامات، وعندها فقط يمكن لهذا الربيع أن يزهر وأن تفوح منه رائحة الحياة والتقدم الاقتصادي.