ينظر الملايين من الناس حول العالم إلى الأمم المتحدة باعتبارها المنظمة القادرة على حمايتهم من خلال ضمان الأمن والسلم الدوليين، وهو ما نص عليه ميثاقها بكل وضوح، مُحدِّداً دورها الأساسي في "إنقاذ الأجيال المتعاقبة من براثن الحرب... وإقامة الشروط التي بموجبها يمكن الحفاظ على العدالة". هذا الحديث عن العدالة كجزء محوري من مهمة الأمم المتحدة على الصعيد العالمي يحيلنا إلى إحدى مؤسساتها ذات الأهمية الكبرى والمتمثلة في محكمة الجنابات الدولية بلاهاي، والتي وضعت لبنتها الأولى انطلاقاً من مؤتمر روما التأسيسي في عام 1998 الذي صادقت عليه 120 دولة عضواً في الأمم المتحدة، لتصبح المحكمة بعد ذلك بسنوات قليلة أمراً واقعاً وقائماً بذاته تتولى مسؤولية متابعة الجرائم الدولية التي تمارسها الأنظمة القمعية ضد المواطنين والشعوب، واليوم يتساءل الناس بعد مرور 14 سنة على تأسيس محكمة الجنايات الدولية، عما إذا كانت قد نجحت في تحقيق أهدافها وممارسة دورها في صيانة حقوق الشعوب وحمايتهم من غطرسة الأنظمة التي لا تتردد أحياناً في ممارسة كل أشكال القتل في خرق سافر للقانون الدولي، أم أن المحكمة مجرد آلية أخرى معطلة تابعة للأمم المتحدة تكلف من الأموال الباهظة أكثر مما تثمر من نتائج؟ والحقيقة أن المحكمة تكلف أمولاً طائلة المحكمة للقيام بأعمالها، حيث وصلت مصارفها منذ بدء العمل بها في عام 2002 إلى حوالي 500 مليون جنيه استرليني. لكن رغم بعض أسئلة التشكيك التي تُثار هنا وهناك حول عمل المحكمة، يبقى من المهم التنويه بالجهد المبذول من قبلها في ضبط وإحضار بعض قادة الحرب المتورطين في أبشع الجرائم التي يحاسب عليها القانون الدولي وتدخل في إطار جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية. ومن هؤلاء الأشخاص الذين نجحت محكمة الجنايات الدولية في عرضهم على العدالة الكونجولي، "توماس لوبانجا" البالغ من العمر 51 سنة والذي كان يرأس "حركة اتحاد الوطنيين الكونجوليين"، فبعد إدانته بالتهم الموجهة إليه في المحكمة يواجه اليوم عقوبة السجن المؤبد، خاصة بعدما أثبتت المحكمة الصلة بين الرجل والتجاوزات الخطيرة التي شابت الحرب الكونجولية بين 2002 و2003 والمتعلقة أساساً بتجنيد الأطفال لخوض المعارك وتسليحهم لاغتيال طفولتهم والدفع بهم في أتون المعارك الشرسة التي خلفت أكثر من 50 ألف قتيل. ورغم المشاكل والصعوبات التي واجهتها المحكمة في إثبات التهمة بسبب ما راج من اعتماد الادعاء على وسطاء ضغطوا على الشهود لتقديم إيفادات مغلوطة، فإن القضاة خلصوا في النهاية إلى أن القرائن المسجلة والأشرطة المصورة التي حصلوا عليها تكفي لإدانة "لوبانجا". وفي هذا السياق صرح رئيس القضاة، "أدريان فولفورد"، قائلاً في حيثيات القضية: "كان لوبانجا قائداً عاماً للجيش وفي نفس الوقت زعيماً سياسياً، وكان قريباً جداً من عملية اتخاذ القرار بشأن سياسة التجنيد ودعم المبادرات في هذا المجال، فعلى سبيل المثال كان يلقي الخطب الحماسية على المجندين الجدد ويشجع الأطفال ما دون 15 سنة على الالتحاق بالجيش، وهو شخصياً استخدم الأطفال كجزء من حرسه الخاص". ويمكن للمدان ضمن قواعد المحاكمة العادلة التي تكفلها محكمة الجنايات الدولية استئناف الحكم خلال ثلاثين يوماً من النطق به. ولا شك أني سعيد جداً بالدور الذي تقوم به المملكة المتحدة في دعم المحكمة ومساعدتها، حيث منحت الحكومة البريطانية زنزانة خاصة تصل كلفتها 64 ألف جنيه أسترليني مخصصة لسجناء الدرجة الأولى الذين يحتاجون تأميناً عالياً، كما عرضت سجن "تشارلز تايلور"، الرئيس الليبيري السابق الذي سيمثل أمام المحكمة الخاصة بسيراليون. ولا أخفي فخري أيضاً بالجهود التي قامت بها المملكة المتحدة حتى ترى محكمة الجنايات الدولية النور في لاهاي واستمرارها في تقديم الدعم كلما احتاجت المحكمة لذلك. وخلال محاكمة "لوبانجا" كانت الممثلة الأميركية، أنجلينا جولي، باعتبارها سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، حاضرة لمتابعة المحاكمة، ولدى النطق بالحكم اعتبرت النجمة الأميركية أن الإدانة هي "لحظة مهمة في تاريخ المحكمة وتاريخ الكونجو، ستمنع تكرار الجرائم السابقة". ومع أنه من غير المؤكد ما إذا كانت المحكمة ستنجح فعلياً في اقتلاع مجرمي الحرب من العالم، فإنها ستردع العديد من أمراء الحرب عن ارتكاب التجاوزات وانتهاك القانون الدولي. ويمكن الإشارة إلى العديد من أمراء الحرب الماثلين أمام قضاة المحكمة مثل "تشالز تايلور"، و"لوران جباجبو" الرئيس السابق لساحل العاج. ورغم الانتقادات التي توجه إلى محكمة الجنايات الدولية بتركيزها على الدول الأفريقية، فإن الأمر لا علاقة له بالجغرافيا بقدر ما هو مرتبط بارتكاب جرائم الحرب التي ما زالت أفريقيا مع الأسف مسرحها الرئيسي. ومن زعماء الدول الذين ينتظرون دورهم للمثول أمام المحكمة هناك الرئيس السوداني عمر البشير الذي يعتبر أول رئيس يمارس مهامه تصدر بحقه مذكرة اعتقال من المدعي العام بالمحكمة، فضلاً عن الرئيس السوري بشار الأسد الذي يعتبر متهماً بجرائم الحرب وإن لم يُحل ملفه بعد إلى المحكمة. وفي تبريره للحاجة إلى محكمة الجنايات الدولية قال وزير الخارجية البريطاني الأسبق، روبين كوك، إنه في حالة ارتكاب الجرائم الفردية بإحدى المدن الكبرى، سواء باريس أو لندن أو واشنطن، فإن فرق الشرطة الخاصة تتكلف بتعقب الجاني وجلبه إلى العدالة، لكن عندما يتعلق الأمر بقتل آلاف الناس في بلد صغير ويدار بشكل سيء، فلا أحد يحرك ساكناً ولا أحد يتطوع لمعاقبة الجاني، مثلما حدث مع عيدي أمين، وهو ما يجعل من محكمة الجنايات الدولية مطلباً عالمياً لا غنى عنه لإحقاق العدالة.