هل هي عودة للعرب إلى العراق أم عودة العراق إلى العرب؟ ما هو منطقي أكثر أنها "عودة العرب إلى العراق" لأن العرب هم الذين تركوا العراق في وقت كان فيه ضعيفاً ومحتلاً ومُتَربصاً به، وفي وقت كان بحاجة إلى أية مساعدة من أي أحد. بعض العرب كانوا يرون أن لديهم أسبابهم القوية التي تدفعهم إلى الابتعاد عن العراق وتركه. واليوم يعود العرب إلى العراق. القمم العربية في العراق كانت منعطفاً في تاريخ العرب، فقمة بغداد 1978 شهدت "إخراج مصر" من الجامعة العربية بسبب زيارة السادات إلى إسرائيل والتفاوض لتوقيع معاهدة كامب ديفيد مع بيغن. وبعد القمة العربية في بغداد عام 1990 التي شهدت توتراً بين العراق الكويت تم "إخراج العراق" من الجامعة العربية وتشكيل تحالف دولي لإنهاء الغزو العراقي للكويت. لذا قد تكون هذه القمة هي قمة إدخال العراق إلى الجامعة العربية وإلى المحيط العربي بل العمق العربي أيضاً. لا شك أن عقد القمة في بغداد يعتبر نجاحاً للدبلوماسية العراقية وهو اختراق عربي للحصار والتدخل الإيراني في العراق. والواقع أن قمة بغداد واجهت كثيراً من التحديات ابتداءً من فكرة انعقادها في بغداد وما ثار حول ذلك من حديث عن الوضع الأمني وخطورته مروراً بضيق المواطن العراقي من انعقادها بسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي أثرت على حياته، علاوة على اعتذار عدد من الرؤساء عن المشاركة في القمة بأشخاصهم وإرسال مندوبين عنهم، وانتهاء بأن القمة ستعقد في يوم بلا ليلة، فسيصل القادة والمشاركون صباح يوم غد الخميس ويحضرون اجتماعهم ويغادرون قبل نهاية اليوم! الشيء الوحيد الذي قد يتفق عليه العرب ويأخذون فيه قراراً خلال قمة بغداد هو تحديد مكان وموعد عقد القمة المقبلة، فتطوير عمل المجلس يبدو من الصعب إقراره في ظل حالة التغير التي تمر بها بعض الدول العربية. أما الصراع العربي الإسرائيلي فأوراق اللعب فيه ليست بيد العرب، وما دام الاستيطان الإسرائيلي مستمراً والخلاف الفلسطيني الداخلي باقياً، فماذا سيقدم العرب لفلسطين؟! أما فيما يخص الوضع السوري فقد أعلن العرب عن موقفهم وليس لديهم ما يضيفونه وإنما سيكررون ما طالبوا به وما يعتقدون أنه حل لإنهاء الأزمة، وسينتظرون قرارات الدول الكبرى والمجتمع الدولي، وقس على ذلك باقي بنود اجتماع القمة. ما هو ممكن في اجتماع القادة العرب في بغداد ولأول مرة منذ أكثر من عشرين عاماً، هو العمل على عودة العراق إلى العرب، فمن المهم الاستماع إلى العراق وجعل العراقيين يستمعون إلى العرب. فمنذ الغزو الأميركي للعراق قبل تسع سنوات والعراق وحيد يعاني ويواجه كل المخاطر، والعرب كان لهم موقف المتفرج ولكل دولة عربية تحفظها وأسبابها لعدم مساعدة العراق، وكانت النتيجة أن تدخلت إيران. العراقيون بمختلف طوائفهم السياسية والدينية والمذهبية والعرقية، يعرفون أن عمقهم الحقيقي هو عمق عربي، وهذا ما يجب أن يعمل عليه العرب، فيستغلوا هذه الفرصة التاريخية لإعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية، والاستفادة من هذه القمة كي نستعيد قوة العراق ليكون قوةً عربيةً بدل ما هو قوة محلية مشتتة ومقسمة بين الطوائف والعرقيات، ومتصارعة فيما بينها. لا أشك في أن هذا عمل صعب وشاق ولا أستبعد وجود من يعتبره عملاً مستحيلاً، لكني أعتقد في ظل التغييرات التي شهدتها وتشهدها المنطقة منذ العام الماضي حيث رأينا ما كان يبدو مستحيلاً قد تحقق، وما كان ثابتاً يتغير بل ويتطاير. وأبسط مثال على ذلك أن أحداً لم يكن يتوقع أن تعقد قمة عربية في العراق في هذه الظروف، لكننا ننتظر قمة ستعقد غداً. العراق الجديد لديه الفرصة للعب دور مهم ومحوري في المرحلة العربية الحالية، خصوصاً أن النظام العراقي، كما هو مفترض، غير محسوب على الأنظمة العربية القديمة، بل أقرب إلى الأنظمة الجديدة، لذا فلو أن العراق تخلص من "الطائفية" التي تهيمن على تفكير وسلوك بعض سياسييه فإن أمامه الفرصة كي يكون شريكاً مع دول الخليج في لعب دور في ترتيب البيت العربي الذي يعاني بسبب التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك دوله التي شهدت تغيراً في أنظمة حكمها. لو أردنا أن نعتبر قمة بغداد مختلفة، ولو بحثنا عن سبب يجعل الأعناق إليها مشرئبة، فهو أنها تعقد في عاصمة العراق، وأنها قد تكون البداية لعودة العراق إلى العرب بعد عزلة دامت سنوات طويلة، فهذا هو المكسب الحقيقي للقمة... وهي رسالة إلى إيران مفادها أن العرب لا يزالون متمسكين بعراقهم، وإن كانت رسالة متأخرة جداً، إلا أنها رسالة سيكون لها تأثيرها. هناك في العراق معارضون للقمة -لا يمكن تجاهل وجهة نظرهم- ومنهم من يرى أن القمة تكريس للاحتلال ودعم لسياسة اجتثاث السنّة، وأنها تقام في ظل حكومة عراقية طائفية وفاشلة، وتعقد وسط معاناة الشعب العراقي من المآسي والظلم. وقد تكون هذه الأسباب مهمة لشريحة من العراقيين، لكن يبقى العراق مهماً للعرب وابتعاده أو الابتعاد عنه لا يفيد إلا أعداء العرب. كما أن عقد القمة في العراق قد يذكر العراقيين أنهم عرب أولاً -وهم لم ينسوا ذلك أبداً- ثم يفكرون بعد ذلك في طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم ثانياً. كم كنت أتمنى لو نالت هذه القمة اهتماماً أكبر ومشاركة أوسع، فقد تُغيِّر الوضعَ العراقي والمستقبل العربي بشكل يتمناه الجميع.