لماذا تجشم أوباما عناء السفر إلى سيؤول بكوريا الجنوبية قاطعاً نصف العالم تقريباً لحضور القمة الثانية للأمن النووي؟ وما الذي يستطيع قادة خمسين دولة فعله خلال القمة التي استمرت يومين؟ الجواب هو أقل مما يأمل المراقبون، لكنه أيضاً أعلى من توقعات المتشككين، فمعروف أن عادة انعقاد القمم قد يراها البعض مظهراً من مظاهر الاستعراض في العلاقات الدولية، وهي غالباً ما تكون مجرد فرصة سانحة لالتقاط الصور. لكن القادة ذوي النظرة الاستراتيجية يستطيعون الاستفادة من القمم وتوظيفها لدفع أجندات مهمة، بحيث يمكن للقمم الجادة وحسنة التنظيم تحقيق ثلاث وظائف أساسية: تسليط الضوء على قضايا محددة، وبناء الإجماع الدولي، ثم إطلاق سيرورة لحمل الدول والحكومات على اتخاذ تدابير ملموسة وإجراءات واضحة، وإذا كان منظمو القمة على درجة كبيرة من الوعي وصارمين في مطالبهم فإنه يمكن لتلك الملتقيات تحقيق نتائج واقعية، بالإضافة إلى إصدار البيانات العامة، لذا يبرز السؤال في ظل هذا الإطار من التفكير حول ما يمكن لقمة سيؤول بشأن الأمن النووي تحقيقه لدرء الأخطار المترتبة على الانتشار النووي. وهنا يتعين التذكير أولاً أنه في ضوء مجموعة من التحديات الملحة على القادة مثل التهديدات المحدقة بالاقتصاد العالمي، والتغيرات المناخية ستعمل هذه القمة على دفع القادة إلى تركيز اهتمامهم على موضوع حساس وبالغ الأهمية متمثلاً في الأمن النووي، والذي يعني كل الجهود المبذولة على الصعيد العالمي لمنع ما وصفه أوباما بـ "التهديد الأخطر والأكثر إلحاحاً على الأمن العالمي"، المتجسد أساساً في الإرهاب النووي. ورغم أن الأمر يبدو مستبعداً لدى البعض، تبقى الحقيقة أنه في حال حصلت مجموعة إرهابية على مائة رطل من اليورانيوم عالي التخصيب، أو حتى 35 رطلاً يمكن تحميلها في أسلحة خاصة ومتطورة، فإنها تستطيع تصنيع قنبلة نووية أولية يمكن استخدامها لتدمير قلب مدينة كبيرة بأكمله، بحيث سيكون المشهد شبيهاً بما حصل في هيروشيما لتغطي المدينة سحابة نووية لا تبقي ولا تذر، ولو حصلت حادثة واحدة مثل تلك في إحدى بلدان العالم، لأدى ذلك حسب أوباما إلى "زعزعة الأمن الدولي وهز الاقتصاد العالمي وتغيير طريقة حياتنا. وقد بدأت الجهود الدولية في قمة الأمن النووي السابقة التي استضافتها واشنطن في عام 2010، حينها شرع القادة في بناء إجماع عالمي ليس فقط حول خطورة الإرهاب النووي واستعجاله، بل أيضاً حول الخطوات العملية التي يتعين على الحكومات اتخاذها لمنع حدوثه، وفي هذا الإطار اتفق القادة على تأمين جميع المواد النووية المعرضة للتسرب على الصعيد العالمي بحلول 2014. واليوم نكون قد قطعنا سنتين منذ انطلاق القمة الأولى في الولايات المتحدة لبدء سباق تأمين المواد النووية والتأكد من عدم سقوطها في أيدي شريرة، ويمكن لقادة الدول المجتمعين في القمة العمل على منع الإرهاب النووي من خلال التركيز على أمر واحد يتمثل في الحؤول دون حصول الإرهابيين على المواد الضرورية لتنفيذ مخططاتهم، وذلك بإحكام الرقابة على الأسلحة والمواد النووية بحيث يستحيل تسربها إلى خارج الترسانات الرسمية للدول، وفيما يدعو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في القرار 1540 جميع الدول إلى تبني معايير أمنية فعالة ومناسبة لتأمين المواد النووية، فإن قمة سيؤول ستوفر النماذج العملية لهذه الخطوط العريضة وتطرح أمثلة واقعية للاحتذاء. وفي هذا السياق، ستعلن بعض الدول خلال القمة أنها أصبحت خالية تماماً من المواد الانشطارية، وهو ما يعني أنها مؤمنة تماماً، ولا يمكن أن تتحول إلى مصدر للمواد النووية بالنسبة للإرهابيين بعدما أخلت أراضيها من تلك المواد القابلة للاستخدام في تصنيع الأسلحة. والأكثر من ذلك من المتوقع أن يقف رئيس أوكرانيا أمام باقي القادة ليعلن رسمياً أن بلاده باتت جزاء من الدول الخالية من المواد الانشطارية، وبالطبع سيتساءل بعض المشككين: ثم ماذا بعد؟ الأكيد أن مثل هؤلاء المشككين يجهلون التاريخ القريب لبلد مثل أوكرانيا ويستخفون بما أقدمت عليه، فقد ورثت أوكرانيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991 ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، وهي على مدار السنوات الماضية لم تكتف فقط بالتخلص من الصواريخ النووية بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى المدن الأميركية والصواريخ قصيرة المدى المستخدمة في ساحة المعارك، بل أيضاً أزالت مجمل البنية التحتية للأسلحة النووية التي ورثتها من الاتحاد السوفييتي، واليوم تكمل الخطوة النهائية بالتخلص من المواد الانشطارية التي يمكن استخدامها في تصنيع أسلحة نووية. ولا شك أن مثل هذه الخطوات التي أقدمت عليها الدول سواء في القمة الأولى بواشنطن، أو القمة الحالية في سيؤول من شأنها جعل العالم أكثر أمناً، مبعدة عنه شبح الإرهاب النووي، وكون أوباما المنشغل بجهود إعادة الانتخاب ما زال منخرطاً في قضية لا تحظى بأهمية كبيرة لدى الناخب الأميركي، فذلك يؤكد جديته وصدقه عندما يقول بأن الإرهاب النووي هو الخطر الأكبر على الأمن القومي الأميركي. -------- جراهام أليسون مدير معهد بيلفر للشؤون الدولية بكلية الإدارة بجامعة هارفارد -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"