قبل خمس سنوات طرحت كوريا الجنوبية خطة مفصلة لتحويل نظامها التعليمي إلى أحد أكثر الأنظمة تطوراً في العالم وأكثرها اعتماداً على التكنولوجيا الجديدة، وهدفها أن تصبح في غضون سنوات قليلة مركزاً رائداً للمعرفة، وذلك حسب ما جاء في تقرير صادر عن الحكومة، حيث أضاف أنه من بين الأهداف الأخرى لهذه الخطة الطموحة إعداد الطلبة وتأهيلهم للمستقبل. وفي التفاصيل أن الطلبة لن يستخدموا الكتب الدراسية التقليدية بأحجامها الكبيرة التي ألِفها الجيل السابق من الآباء، بل ستتحول إلى كتب رقمية يمكن الوصول إليها من خلال الشاشات المتوافرة في أكثر من جهاز، كما أن حمولة الحقائب التي تثقل الكاهل ستكون من الآن فصاعداً خفيفة على الطلبة، وذلك بوضع خطة ترمي إلى استبدال الكتب الدراسية الموجودة حالياً بأخرى رقمية، باعتبارها الجزء الأساسي من التحول المنشود في النظام التعليمي. تحاول كوريا الجنوبية استباق المستقبل والاستعداد له، لاسيما في ظل الانتشار السريع للأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وبرامج الكتب الإلكترونية المتعددة. لكن الخطة التي اعتمدتها كوريا الجنوبية بالاستناد إلى بنية تحتية إلكترونية متطورة في مجال الربط الإلكتروني تواجه عقبات عديدة مرتبطة بمحاولات تحويل التعليم الابتدائي والإعدادي إلى النظم الرقمية، بحيث تصطدم الخطة بتيارات أخرى داخل المجتمع تحذر من تسارع وتيرة النظام التعليمي الجديد القائم على الترقيم الإلكتروني. وهكذا ارتفع صوت بعض خبراء التعليم المحذر من أن الأجهزة الإلكترونية الجديدة التي باتت منتشرة على نطاق واسع قد لا تفيد الجيل الجديد من المتعلمين، كما أن التعرض أكثر للأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وغيرها لا يعني بالضرورة تحسناً في جودة التعليم ومخرجاته. هذه الانشغالات دفعت كوريا الجنوبية إلى مراجعة الخطة وتقليص أهدافها التي يتم تجريبها حالياً في خمسين مدرسة، فبدلاً من الحديث عن الثورة الشاملة في المجال التعليمي يتحدث المسؤولون عن تطلعات أقل، بحيث ستعتمد الفصول الدراسية الكتب الإلكترونية إلى جانب الكتب التقليدية بدل استبدالها تماماً كما كانت تنص على ذلك الخطة في السابق، بل إن المراحل الأولى للتعليم في الصفين الأول والثاني لن يستخدم فيهما الطلبة أياً من الأجهزة الرقمية. وتستند هذه المخاوف التي أثارها خبراء التعليم إلى ذلك الاعتقاد الراسخ في كوريا الجنوبية، والذي يسعى هؤلاء الخبراء لمساءلته، ومفاده أن التكنولوجيا المتقدمة تقود بالضرورة إلى تقدم في التعليم، لذا حذرت إحدى الصحف الكورية الرائدة في افتتاحيتها من "الثقة المبالغ فيها" التي تضعها الحكومة في التكنولوجيا، منتقدةً الفكرة المغلوطة والقائلة بأن المزيد من التكنولوجيا يعني تعليماً أفضل. وفيما تحاول كوريا الجنوبية تعميم نموذج المدارس الإلكترونية على عدد أكبر من الفصول، تراقب العديد من دول العالم التجربة الكورية بكثير من الاهتمام، متتبعةً ما ستسفر عنه من نتائج، لاسيما في ولاية فلوريدا الأميركية التي اقترح مسؤولو التعليم فيها الحذف التدريجي للكتب الدراسية التقليدية وطرح كتب رقمية بدلاً منها. لكن رغم المقارنات مع دول أخرى، لا أحد يجاري النظام التعليمي الكوري المعروف بدفع الطلبة إلى أقصى الحدود، فهو الأكثر صرامة في العالم، ويضطر فيه الطالب إلى الاعتماد على مدرسين خاصين والذهاب إلى مدارس ليلية لمزيد من التحصيل، كما أن الآباء في كوريا الجنوبية دائمو الانشغال بالإنجازات الدراسية لأبنائهم ولا يترددون في إنفاق مبالغ كبيرة على التعليم الخاص. ومن المخاوف التي يثيرها التربويون في كوريا الجنوبية ما يعبر عنه "وان تشا مي" الذي يدير مدرسة إلكترونية، بقوله: "الانشغال الأساسي هو أن الطلبة في المدارس الابتدائية التي تعتمد التعليم الرقمي، سيكونون معرضين للأجهزة الرقمية ولن يتأتى لهم خوض تجارب واقعية، فهم سينظرون للعالم من خلال شاشات الكمبيوتر". وللوهلة الأولى يبدو أن مثل هذه المخاوف شبيهة بتلك التي يثيرها عادة الجيل القديم العاجز عن مواكبة ما يجري في الحاضر، لكن الحقيقة تقول إن الطلبة في كوريا الجنوبية يظهرون بالفعل بعض نقاط ضعف نظام التعليم الرقمي، وأن المسألة ليست مجرد هواجس لا أساس لها. فحسب استطلاع للرأي أجرته حكومة كوريا الجنوبية، يعاني طالب من بين 12 طالباً تتراوح أعمارهم بين 5 و9 سنوات الإدمان على الإنترنت، بمعنى أنهم يشعرون بالاضطراب والاكتئاب كلما عجزوا عن الوصول إلى الإنترنت. ويخشى المسؤولون أنه في حال أصبحت الأجهزة اللوحية والحواسب النقالة مفروضة كجزء من الفصل الدراسي، ستتفاقم مشكلة الإدمان على الإنترنت وتزداد شدة ارتباط الأطفال بالأجهزة الرقمية. بل إن بعض الآباء عبروا عن انشغالهم من قدرة أبنائهم على التركيز والتحصيل العلمي فيما الأجهزة موصولة بالإنترنت، هذا بالإضافة إلى بعض الهواجس الصحية، مثل تأثير التعرض للشاشة لفترات طويلة على سلامة النظر. لذا ينصح خبراء التعليم بضرورة مراجعة الخطة وإعادة دراستها في ضوء الاعتراضات التي أبداها التربويون. لكن الحكومة في كوريا الجنوبية قالت إن الخطة أسيء فهمها لأنها لم تقل أبداً إنها ستلغي الكتب المدرسية التقليدية، بل سيتم تدريجياً إدماج الأجهزة الرقمية في الفصول الدراسية، على أن يبدأ ذلك بحلول 2015. ويستطيع الطلبة بموجب الخطة الاستفادة من مضمون الكتب، سواء عن طريق أجهزة الكمبيوتر المحمولة، أو الأجهزة اللوحية، وسواء أكان ذلك في الفصل أم في البيت، بل حتى في قطار الأنفاق أثناء الذهاب إلى المدرسة. ومع ذلك عاد المسؤولون للحديث عن تقليص أهداف الخطة بالتأكيد على استمرار المدارس في إعطاء الأولوية للكتب الدراسية التقليدية. ------- تشيكو هارلان-سيؤول -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"