في الأسبوع الماضي، ناقش المهتمون باللغة العربية، وعلى مدى ثلاثة أيام في بيروت، مستقبل اللغة العربية عند أهلها. دول الخليج، والإمارات تحديداً، كانت في مقدمة الدول التي يُخشى على اللغة العربية فيها، رغم أن المشكلة تعم الجميع. ومع اعترافي بالمشكلة في الإمارات، فإن معالجة الإمارات كانت واقعية أكثر من غيرها. قدمت ثلاثة مشاريع إماراتية للحفاظ على اللغة العربية، جمعية حماية اللغة العربية، ومشروع "تمعن" التابع لمنطقة أبوظبي التعليمية، ومشروع "عين" من جامعة الإمارات. في تفاصيل النقاشات وضع اللغة العربية لم يكن بأحسن حال في بقية الدول العربية، بل أكاد أزعم أن التحدي في بعضها لا يقل عنه في دول الخليج. لم نكن بحاجة إلى تبادل الاتهامات قدر حاجتنا إلى إيجاد الحلول لمشكلة تراجع اللغة العربية، باعتبارها هوية عربية، وباعتبارها أمناً قومياً أيضاً. غلب على النقاشات التي تجاوزت المئة ورقة بحثية لغة العاطفة في الدفاع عن اللغة العربية، وكنت أتصور أن ما حصل في "الربيع العربي" من شأنه تغيير طريقة تفكيرنا في معالجة القضايا العربية، لكن الذي حدث عكس ذلك للأسف. التمجيد المبالغ فيه كان حاضراً، والخطاب الرسمي هو المسيطر، وغابت لغة المنطق العقلاني، وخرج المجتمعون في ختام المؤتمر كما يتم في الاجتماعات العربية السابقة دون نتيجة عملية، سوى التوصيات لرفعها للمسؤولين، ودون خطط عمل حقيقية تعالج المشكلة. اللغة العربية لا تعاني مشكلة، لكن العرب في ورطة. هناك لغات سبقت العربية في تحقيق التواصل العلمي بعد أن كانت العربية هي أصل العلوم. ممثل موقع "جوجل" أرجع السبب في ترجمة الموقع الركيكة إلى أن اللغة العربية لا توجد فيها كمية كافية من المصطلحات العلمية. الكثيرون كانوا يتضايقون عندما كان البعض يبدي رأياً بأنه لا داعي لكل هذا الخوف، فالمشكلة ليست في اللغة التي هي عبارة عن لسان ناطق لموقع أمة في الحضارات الإنسانية. اليوم الإنجليزية هي اللغة التي "تبيع" كما أنها لغة العلم، فمعظم العلوم تكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية. بل إن الإنجليزية هي لغة الإعلام، وبالتالي لا تلم أفراداً يستخدمون مصطلحات إعلامية غربية، بقدر أن اللوم لا بد أن يلقى على المُنَظـِّرين العرب. وهذا لا يعني أن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة العلوم بقدر ما يعني أن العرب يجب أن يتغيروا في طريقة تفكيرهم للارتقاء بأعمالهم، بما في ذلك لغتهم. الخوف لا يقتصر على لغة الشارع، بل يتعداها إلى لغة العلم. فالكل مشترك في التوجه نحو التعلم باللغات الأجنبية، بل هو مقياس كل فرد في المجتمع، بغض النظر عن حصيلته العلمية. في نظري، أن جيل "الفيسبوك" و"تويتر" و"sms" الذي كان مغيباً في المؤتمر، هو الذي سيقود التغيير في اللغة، كما قاد التغيير الاجتماعي. إذا لم تتغير طريقتنا في معالجة القضايا الحيوية في المجتمع. اللغة العربية أفضل حالاً من حيث مواكبتها لمستجدات العصر، بغض النظر عن نوعية هذه المواكبة، فهي حاولت التكيف مع مستجدات الساحة العالمية، في حين بقيت طريقة تفكير الشعوب العربية دون حراك، كما اتضح في مؤتمر اللغة العربية. دفاعنا عن اللغة، كما اتضح في المؤتمر، ذكرني بطريقة الدفاع العربي عن كل قضاياه، حتى خسرنا كل شيء بالتباكي والعاطفة الزائدة. نريد أن نترجم مخاوفنا على اللغة العربية، فنحولها من هتافات عالية الصوت، ومن إسكات كل من يطرح فكراً مغايراً، إلى فعل عملي وواقعي ونقاش حقيقي، لنخرج بخطوات عمل حقيقية.