جددت مقتلة الأطفال اليهود في مدينة "تولوز" الفرنسية الأسبوع الماضي هواجس العداء للسامية، فيما أثار ارتباطها بقتل ثلاثة مظليين فرنسيين من أصول مغاربية هواجس العنصرية. ورغم أن الحملة الانتخابية الرئاسية مستعرة وتغري باستغلال الحدث إلى أقصى حد، فإن خطورة الحدث فرضت على المرشحين أن يقتصدوا في السعي إلى الاستفادة من دم الضحايا، لذا استخلص الجميع أن ثمة غولاً اسمه "التطرف" وينبغي عدم الاستسلام لما يقدمه من فرص سواء للربط بين الإسلام والإرهاب، أو لإسقاطه على وسائل مثل الصراع العربي - الإسرائيلي أو الحرب في أفغانستان، وهذا ما حاول القاتل المفترض- وهو فرنسي- من أصل جزائري، حين قال إنه ينتمي إلى تنظيم "القاعدة" وأنه استهدف الأطفال اليهود انتقاماً للأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة، كما هاجم العسكريين عقاباً لمشاركة فرنسا في حروب خارجية. على هامش هذه المقتلة، دار جدل مستغرب دفع فيه الإسرائيليون بأفكار منها أن ما يعتبرونه عملاً لا سامياً لا يجوز الحديث عنه في إطار الاعتبارات الإنسانية البحتة، وما يفعلونه ضد الآخرين (الفلسطينيين مثلاً) لا تجوز مقارنته بأي مآس أخرى، لذلك هبّ رئيس الوزراء الإسرائيلي رداً على مسؤولة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "كاترين أشتون" في ما يشبه التوبيخ لها بعدما عبرت عن ألمها لجملة أحداث متزامنة قضى فيها أطفال وشبان، تذكرت أشتون وهي تتحدث في مؤتمر صحفي عن اللاجئين الفلسطينيين "مأساة الأطفال الذين قتلوا في كل أشكال الظروف المفزعة"، وأشارت إلى حادث "تولوز"، لكن أيضاً إلى المذبحة التي ارتكبها أندرس بيرنيج بريفيك في النرويج أواخر يوليو 2011، بالإضافة إلى مقتل 22 تلميذاً بلجيكياً في تحطم حافلة في سويسرا، فضلاً عن العنف الدائر في سوريا، و"ما يحدث في غزة"، ومناطق مختلفة في العالم. لم يقبل الفلسطينيون إدعاءات القاتل في "تولوز" ووضعه رئيس الوزراء سلام فياض في إطار "المتاجرة" بالقضية الفلسطينية، بعدما كانت السلطة نفسها استنكرت قتل الأطفال. أما الإسرائيليون فلم يقبلوا المقارنة بين ما حدث لأطفال المدرسة في فرنسا وما حدث ويحدث لأطفال غزة من جراء الحصار أو خلال عمليات جيش الاحتلال، لم تكن المسؤولة الأوروبية في صدد المقارنة، وإنما كانت لها مقاربة إنسانية شاملة، ومع ذلك رُفضت إسرائيلياً. قال بنيامين نتنياهو إنه غاضب لأن "أشتون" قارنت بين "القتل المستهدف للأطفال" و"الأنشطة الدفاعية الدقيقة" للجيش الإسرائيلي، التي تهدف إلى "ضرب إرهابيين يستخدمون الأطفال كدروع بشرية". واعتبر وزير الدفاع إيهود باراك أن الجمع بين العنف في غزة وتولوز "منفصل عن الواقع". أما وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، فقال إن الأطفال الذين كان على "أشتون" أن تذكرهم هم "أطفال جنوب إسرائيل الذين يعيشون في ظل خوف دائم من الصواريخ المنطلقة من غزة". إذاً، فما يقترحه نتنياهو والآخرون هو التمييز بين قتل وقتل للأطفال، أي تمييز بين الضحايا أنفسهم، رغم أن النتيجة واحدة أياً يكون القاتل. وهذا يقود بدوره إلى التمييز بين إرهاب وإرهاب، وبالتالي بين جريمة وجريمة، لم يكن الصوت الإسرائيلي المستنكر مسموعاً جيداً بعد مذبحة "بريفيك" النرويجي، ربما لأن القاتل نشر على موقع إلكتروني "أدبيات" خاصة به لتبرير جرائمه، وفيها يبدي تعاطفاً حاداً وقوياً مع إسرائيل، كان "بريفيك" كشف من دون أن يقصد العلاقة المستجدة بين "اليمين" المتطرف الأوروبي وبين الصهيونية كفكرة وكتطبيق إسرائيلي، تماماً مثلما كشف القاتل في "تولوز" أنه كان خلية "قاعدية" نائمة والأرجح أنه استفاق لأن التنظيم لم يعد مهتماً به، حتى أنه تبناه متأخراً. لكن ما انكشف أيضاً في سياق الحدث التولوزي هو أن لدى الإسرائيليين إشكالاً مع المستوى الإنساني، تحديداً إذا كان الطرف الآخر في المأساة عربياً أو فلسطينياً، سواء كان ضحية أم قاتلاً، فكل ما يواجههم لا يرون فيه سوى "إرهاب". وإذا كان لابد من حديثه عن ضحايا فينبغي أن يذكر الآخرون أحداً غيرهم فهم الضحايا الأبديون والوحيدون. صحيح أن العالم لم يستقر على تعريف موحد لـ"الإرهاب"، لكن الأصح أن كل اعتداء على مدنيين وأطفال مدان بصفته إرهاباً أياً يكون المعتدي، في غزة أو في غيرها. أما قول نتنياهو أنه ما يفعله جنوده "مساس غير متعمد" بالمدنيين فهذا لا يعنيهم من الإدانة بجرائم حرب، أي بما هو إرهاب دولة. عبدالوهاب بدرخان كاتب ومحلل سياسي - لندن