عندما يطالع القارئ الكريم هذه السطور يُفترض أن تكون الأعمال التحضيرية لقمة بغداد قد بدأت تمهيداً لانعقاد القمة على مستوى القادة بعد يومين، وقد سبق أن تناولت في مقال على هذه الصفحة موضوع القمة العربية القادمة تحت عنوان "معضلة القمة العربية" بتاريخ 28 فبراير الماضي. وعلقت في ذلك المقال على المعضلات الأمنية لانعقاد القمة في بغداد وتداعياتها على قدرتها على التصدي للتحديات غير المألوفة التي تواجه الوطن العربي، وأبسط الأمور أن ترتفع نسبة غياب القادة عن حضور القمة لاعتبارات أمنية واضحة، وتداعيات هذا الغياب المتزايد على صدقية القمة العربية وفاعليتها، ومنذ ذلك التاريخ ازداد الوضع الأمني في العراق ترديّاً، وبالتالي بقيت الملاحظات على انعقاد القمة في بغداد صحيحة. ولكن إصرار العراق على إثبات وجوده عربيّاً انتهى إلى حسم اعتبار بغداد مكاناً لانعقاد القمة. وحولت السلطات الأمنية بغداد إلى سجن كبير لأهلها، ناهيك عن إعطائهم إجازة من العمل لمدة أسبوع، مع مناشدات من القيادات السياسية في العراق -وبالذات رئيس وزرائه- لقادة العرب بالحضور، وتعهدات بأن يكون هذا الحضور آمناً، وقد تحول على أية حال إلى أقل من يوم حيث يصل القادة بغداد صباح انعقاد القمة، ويغادرونها فور صدور بيان القمة وقراراتها بحيث لا يبيتون ليلة واحدة في عاصمة الرشيد. وهكذا بعد أن كانت القمم العربية في زمن ولى تعقد لمدة تقترب من أسبوع، وتحاط باحتفالات شعبية وجماهيرية أصبحنا نضع أيدينا على قلوبنا انتظاراً لمرور "ساعات" انعقاد القمة دون كوارث أمنية، وأصبح المواطن العراقي العادي يضيق بانعقادها في بلده طالما ارتبطت بكل هذه القيود على حرية حركته. وللأمانة فإن الظروف الصعبة التي تحيط بقمة بغداد ليست نابعة من العراق وحده، لأن ملابسات "الثورات العربية" كانت لها تداعياتها في الوقت نفسه على القمة، فهناك أولاً أن الوضع في بلدان هذه الثورات وضع انتقالي بكل ما تعنيه الكلمة، وحتى البلدان اللذان تم فيهما انتخاب رئيس الجمهورية (تونس واليمن) من المفروغ منه أن وضع هذين الرئيسين انتقالي، مما يُصَعّب اتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي والالتزام بها لاحقاً إن صدرت. وفي مثل هذه الظروف يصعب تصور أن تتمكن القمة من إحداث اختراق في قضية من قضايا العرب الحيوية كالصراع العربي- الإسرائيلي، أو الوضع في سوريا. وفي هذه الظروف لم يكن ينقصنا سوى هذه التدخلات الممجوجة في الشؤون العربية، وهي ممجوجة بحكم أنها تخرج عن مألوف التدخلات التي يقوم بها بعض الدول في شؤون الأخرى. ويبرز بين هذه التدخلات التصريحات الغريبة وغير الموفقة لسيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي بخصوص الوضع في سوريا، والأمر نفسه ينطبق على خطيب الجمعة في طهران الأسبوع الماضي الذي طال في خطبته الوضع في البحرين. أما وزير الخارجية الروسي فقد أشار في تصريحات له إلى وجود مخاوف من ضغوط بالمنطقة لإقامة نظام سُني في حال سقوط النظام السوري الحالي، وأشهد أنني لم أسمع أو أقرأ تصريحاً كهذا منذ بدأت الثورة السورية التي بلغت العام عمراً، وربما في مجمل الأزمات الداخلية التي مر بها النظام العربي على طول تاريخه المعاصر، وأغلب الظن أن "لافروف" كان يبحث عن مبرر لسياسة بلاده تجاه الثورة السورية، خاصة وقد أحدثت هذه السياسة ردود فعل سلبية حادة في الوطن العربي، غير أنه كشف بتصريحه هذا عن عدم إلمام فائق بشؤون المنطقة. وأولى الملاحظات على هذا التصريح أنه يستخدم لغة طائفية مرفوضة، مع أن هذه اللغة لو اعتمدت لجاءت في غير صالح النظام السوري الذي بنى قاعدة قوته على الطائفة العلوية، وهي أقلية عددية واضحة بين سكان سوريا. والملاحظة الثانية هي أنه -وقد خلط السياسة بالمصطلحات الطائفية- لا يبدو على بينة مما يجري في الوطن العربي، فلم تأخذ أية ثورة من الثورات العربية شكلاً طائفيّاً. كان هذا واضحاً في حالة تونس التي اجتمع شعبها على قلب رجل واحد، والحالة المصرية التي توحد فيها مسلمو مصر وأقباطها ربما كما لم يتوحدوا منذ ثورة 1919. وقد تكون مصطلحات "مناطقية" قد استخدمت في الحالتين الليبية واليمنية، بمعنى الحديث عن اختلاف شرق ليبيا عن غربها، وكذلك فإن الثورة اليمنية وفرت فرصة لتصعيد قادة جنوبيين مطالبهم بالانفصال عن الجمهورية اليمنية، والعودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل إنجاز الوحدة، فلماذا تنفرد سوريا وحدها بهذا التحليل الطائفي البغيض الذي لا توجد أية شواهد على صحته؟ ثم إن نظم "حكم السنة" بتعبير "لافروف" منتشرة في طول الوطن العربي وعرضه، بحكم أن أغلبية سكانه من المسلمين السنة، مع استثناءات قليلة كما هو الحال في العراق، ولم يُعرف عن تلك النظم أنها كانت يوماً ما بحد ذاتها مصدراً للتطرف السياسي، اللهم إلا إذا كان هذا التطرف ناجماً عن عوامل أخرى غير المذهب الديني كسلوك القادة العرب، وما يعرف عن بعضهم من مغالاة في التشدد، كما في الحالة الليبية قبل الإطاحة بحكم القذافي. وربما كان "لافروف" يقصد أن يحل نظام ذو توجهات إسلامية متشددة محل نظام الأسد بعد سقوطه، ولذلك كان من الأفضل أن يتحدث عن هذا المعنى، وليس عن نظام حكم "سني" بتلك الطريقة الساذجة التي أطلق بها تصريحاته، وهو معنى يشير على الأقل إلى مخاوف حقيقية من قبل روسيا نظراً لأن قادتها يعتقدون أن زيادة التشدد الإسلامي في عدد أكبر من النظم السياسية ستؤثر بالسلب على قدرة روسيا على مواجهة التحديات التي تمثلها بعض حركات "الإسلام السياسي" في الجمهوريات الإسلامية الروسية ذات الحكم الذاتي، وعلى رأسها جمهورية الشيشان. ولعل قادة الدول العربية يفكرون في إجراء حوار مع "لافروف" على المستوى الوزاري تثار فيه كافة هذه القضايا. ويعني ما سبق أن قمة بغداد الدورية لعام 2012 لن تكون قمة الآمال المحبطة والقيود المتزايدة على الإرادة السياسية العربية فحسب، وإنما هي مطالبة -إن كانت تريد أن تبدو وكأنها حققت قدراً من النجاح- أن تتصدى لهذا التدخل المتزايد وغير المألوف في الشؤون السياسية العربية سواءً من قوى عالمية كروسيا أو إقليمية كإيران، وهو موقف يحتاج إلى ما هو أكثر من بضع ساعات سيلتقي فيها الرؤساء "للتصديق" على قرارات المستوى الوزاري دون أن يتوافر لهم الزمن الكافي للنظر في موضوع التدخل الفج في الشؤون العربية، ناهيك عن اتخاذ قرارات فعالة تواجه هذا التدخل. فيا لها من قمة!