في ذروة الحمى الإعلامية عن احتمال وقوع حرب ضد إيران، لم يحصل موضوع الدبلوماسية النووية سوى على اهتمام ضئيل. لكن هاكم نشرة إخبارية جديدة: بسبب الضغط غير المسبوق الذي تتعرض له بفعل تأثير العقوبات الدولية المفروضة، والعزلة التي تعاني منها جراء ذلك، وافقت إيران على البدء في محادثات جيدة لمعالجة موضوع برنامجها النووي، وسوف تبدأ على الأرجح الشهر القادم في إسطنبول بتركيا. وكان أوباما قد أدلى بتصريح هذا الشهر أثناء استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض قال فيه: "نؤمن بأنه ما زال هناك نافذة تسمح بالتوصل لحل دبلوماسي لهذه القضية". ومع ذلك وبسب لعبة الحرب النفسية الحالية التي يهدد خلالها الإسرائيليون بضرب إيران ويعلن الأميركيون أنهم لن يكونوا قادرين على إيقافهم، أبدت طهران اهتماماً بموضوع الدبلوماسية وإن كانت قد وضعت شروطاً مسبقة لبدء المحادثات مع مجموعة 5+1 التي تضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين وألمانيا. ويلاحظ أن الحكومة الروسية تراكم من جانبها الضغط الواقع على طهران حيث تسربت أنباء تفيد أن وزيرة الخارجية الأميركية أرسلت تحذيراً حازماً لطهران عبر موسكو مفاده أن المحادثات المذكورة هي "الفرصة الأخيرة" للتوصل لحل سلمي للمواجهة النووية مع إيران. بيد أن "فيكتوريا نولاند"، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، أنكرت أن كلينتون استخدمت كلمة " آخر"، لكنها أكدت مع ذلك أنها كانت تعني أن تلك المباحثات يجب ألا تستخدم كذريعة لتعطيل التوصل لحل الأزمة. والسبب الذي جعل هيلاري توجه تلك الرسالة أن تاريخ المحادثات التي أجريت مع إيران على مدى العقد الأخير لم يكن مشجعاً. علاوة على أن إيران رفضت إزالة شكوك المفتشين الدوليين بشأن أن برنامجها النووي مصمم لإنتاج أسلحة نووية، خصوصاً وأن كافة الدلائل تشير إلى أنها قامت بتخصيب كميات من اليورانيوم أكثر مما يلزم للاستخدامات السلمية. وكانت إيران في خريف عام 2009، قد باتت قاب قوسين أو أدنى من التوصل لـ"تسوية سحرية" بشأن برنامجها النووي. وكان من المقرر بموجب صفقة تم الاتفاق على تفاصيلها العامة، أن تقوم إيران بشحن معظم كميات اليورانيوم المنخفض التخصيب للخارج كي يتم تحويله لقضبان وقود للاستخدام في مفاعلها المخصص للأبحاث النووية. ورغم أنه كان بمقدور إيران الاستمرار في تخصيب اليورانيوم في هذه الحالة فإنها كانت ستحتاج لعام كامل لاسترداد الكمية المطلوبة، وهو ما كان كافياً لتوفير الوقت اللازم لأجراء المزيد من التفتيشات على برنامج إيران. وقد وقع كبير المفاوضين الإيرانيين "سعيد جليلي" على الصفقة بعد أن حصل على ضوء أخضر من المرشد الأعلى، لكن ما حدث بعد ذلك أن التفاعلات السياسية الداخلية المعقدة في طهران قتلت إمكانية وضع تلك الصفقة موضع التنفيذ، كما يقول"أدلر". ومنذ ذلك الحين، تاهت الدبلوماسية، حتى عندما بدأت إيران تخصب بعض اليوارنيوم لمستويات عالية. بيد أنه يعتقد أن الظروف قد باتت أكثر مدعاة للتفاؤل حالياً وفيما يلي الأسباب التي تدعو لقول ذلك. أولاً: إن إيران باتت بالفعل تئن تحت وطأة العقوبات الشديدة الموقعة من المنظمة الدولية والمجتمع الدولي، خصوصاً تلك التي تستهدف مصارفها ومبيعاتها النفطية. ورغم أن إيران طورت طرقاً للالتفاف على العقوبات جزئياً فإن قادتها يقرون أن العقوبات تؤلمهم بالفعل. ثانياً: إن تلك القيود الاقتصادية تحدث في وقت تواجه فيه جهود إيران الرامية لبسط هيمنتها للإنهاك بسبب تداعيات "الربيع العربي" والاضطرابات التي تضرب سوريا، حليفها القوي في الشرق الأوسط. ثالثاً: في الوقت الذي يصر فيه قادة إيران على أن أي ضربة موجهة لهم لن تؤدي لإنهاء برنامجهم النووي (وقد تؤدي لتعزيز مركزهم الداخلي)، فإنهم غير قادرين- بشكل دقيق- على حساب أكلاف الهجوم الذي سيتعرضون له والتي ستكون كبيرة بالتأكيد. لكل هذه الأسباب قد يكون من المحتم على خامنئي أن يعيد التفكير في خياراته. ولعل ذلك يفسر المقابلة غير العادية التي أجرها لاريجاني الذي يعتبر من كبار مستشاري خامنئي مع "سي. إن. إن"، والتي قال فيها إن المرشد الأعلى أصدر فتوى يحرم فيها إنتاج الأسلحة النووية، كما أصر على أن خطب نجاد الملتهبة لم تكن تعني أن إسرائيل "سوف تمحى من الخريطة"، وأن ذلك لا يمثل سياسة رسمية لإيران. وبالطبع الكلمات لا تعني شيئاً ما لم يتم دعمها بالأفعال. لكن هناك شيء واحد يجب أن يكون واضحاً: إن نافذة الدبلوماسية لن تظل مفتوحة لوقت طويل، وأن الغرب لن يدع المحادثات مع إيران تمضي إلى ما لا نهاية. فإذا ما كانت إيران تريد أن تكون للدبلوماسية فرصة حقيقية، فعليها أن ترسل من الإشارات ما يفيد أنها جادة، على أن يكون ذلك بأسرع وقت ممكن. ترودي روبن محللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"