لا شئ يضاهي حواراً راقياً بين فكرين مختلفين لايهم أن نتفق أو نختلف حول أي منهما، المهم أن نعرف قيمة حوار يؤدي إلى أن يُعبِّر الكل عن رأيه بمنتهى التقدير والاحترام للطرف الآخر. هذه السمة التي جعلت النهضة الأوروبية تكتسح الكون، كان الحوار والإنصات إلى الآخر مناهضاً لمحاكم التفتيش، ورافضاً للقمع الذي مارسته أوروبا في عصور الظلام. وكان المشهد وقتها قاتماً وموغلاً في اضطهاد الآخر وتحويله إلى عدو لمجرد الاختلاف دون أية مبررات أخرى تعلل لماذا امتلأت السجون وتراكم الهاربون آنذاك على حدود إسبانيا تحديداً. وكان نور الإنصات، هو ذاته نور العلم والإيمان بالعقل الإنساني المبدع لذلك كان الحوار والتبادل الفكري الهادئ والبعيد عن التشنج والخوف، مما قد يعينه الآخر هو أساس مهم للإنطلاق نحو فضاءات تتسع للإبداع ولا شيء سواه. فماذا تعني البذاءة أو رفع الصوت أو استخدام صفات مسيئة؟! كلها مداولات لحديث أصم وأبكم وأعمى والدوران في حلقة مفرغة لن تقدم إلا الكثير من الغضب ولا شئ من التسامح وفهم ما يعنيه الآخرون. ويفترض أن الإنسان في مرحلة من حياته يُحكِّم عقله دون أن يكون له أية محاولات للإطلاع على فكر غيره، إلى أن يصل إلى مرحلة من النضج يعرف فيها ما هي أولويات حياته، ويدرك تماماً اختلاف أولويات غيره وأن احترامها واجب مهما كانت. فثقافة التهميش والإقصاء، وسد الآذان لن توصل أياً منا إلى طريق واضح المعالم. الجماعات الدينية تعتمد على الإقصاء أسلوباً وفكراً، لكن هناك أيضاً من يمارس إقصاءً مماثلاً، ويرتدي ثوبها ويمسك بتلابيب الفكر الآخر ويوسعه اضطهاداً. ويمكن الاعتراف بأن الحكيم هو الذي يتعلم من أخطاء غيره، والحقيقة أن البعض يمارس أخطاء غيره، وكل ما يتهم به غيره صار ملازماً حتى لألفاظه فكيف لا تغيب الحكمة إذاً؟! فمعطيات الواقع تستدعي تعاملاً نوعياً تسوده حالة من الوعي بالحقائق وبما تتطلبه الظروف، واذا كانت لغة الخطاب تتوافق مع هذه المعطيات أو تتضاد فيما بينها، ففي نهاية المطاف، هناك مصالح عامة يجب أن تراعى، وأن تكون هي الفاصل بين ما يجب أن يكون وأن الصالح العام غاية وهدف لكل محاولات التحاور ورأب التصدعات الاجتماعية التي قد تحدث بفعل اضطراب الحوار واللغة السائدة القريبة من التضارب والغموض في تفاصيلها. ثمة حاجة إلى الحكمة، وإلى التحلي بسعة الصدر، وإلى فكر ينصت ويتعلم ويعطي كل ذي حق حقه، وأيضاً ينبغي وضع الأمور في نصابها وعدم إصدار الأحكام المسبقة دون بينة. ولا ينبغي الوقوع في أفخاخ الآخر السالب، أو الخوض في الوهم أو الحكايات الذاهبة نحو نهايات سوداوية...المجتمعات بحاجة إلى أن تكون كما هي دون أية مسميات فقط كما كانت بلا أية تشوهات!