"الشيء الوحيد الذي يمكنني عمله بأمانة، وهو كل ما أسعى إليه هو الدفاع عن النظام القائم. إن الذي يناقض كل تكويني وشخصيتي هو الثورة". كتب هذه الكلمات الفيلسوف الدنماركي كيركيجارد في فترة من الاضطرابات والثورات التي اجتاحت أوروبا، ففي عام 1848، وقبل وفاة كيركيجارد بعامين، كانت القارة العجوز تحطم نفسها بيديها وتتشكل من جديد، وكأن قروناً من الحروب الدينية الكئيبة، والحروب الأهلية، والمجاعات والمحاكمات، والصراعات إثر صعود القوميات، ليست كافية. كانت ثمة ملاحم أخرى، تتصارع فيها القوى العظمى لإخضاع أوروبا وبسط النفوذ خارج القارة، ومع الحربين العالميتين في القرن العشرين، بلغ ذلك العنفوان أوجه. قد تكون العبارة السالفة من هذا الفيلسوف المتشائم الكئيب تعبيراً عن حالته النفسية القلقة والخوف من المستقبل، ونتاجاً لطفولة بائسة، إلا أنها تعبر عن موقف كان بعض من الفلاسفة يتفقون معه فيها، أولئك الذين يجدون في الاستقرار البيئة الخصبة للإبداع والبناء والتنمية ورسوخ المؤسسات، ونشوء أنظمة حاكمة صلبة وقوية، فالثورات المتتالية تخلق أنظمة حكم هشة وضعيفة يسهل اختراقها. وكان كيركيجارد يعيش تحت ظل حكم ملكي. تشير مقالة نشرت في مجلة "الفورين إفيرز" في سبتمبر 2011 إلى أنه كان يمكن للأباطرة وملوك أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، بعصبيتهم التي عرفوا بها الاعتماد على ولاء جنودهم، حيث كان الجنرالات والضباط ينتمون إلى طبقاتٍ أرستقراطية وعليا، وكان لهم وضعهم في نظام الحكم الملكي، وكانت القوات المسلحة والقادة الملكيون يعتمدون على بعضهم بعضاً. كما أن معظم جنود المشاة من الفلاحين، كانوا مثل الأرستقراطيين، لديهم القليل من الحب للأصوات العالية والحماسة الثورية للطبقات المتوسطة التي كان عليهم إخمادها وقمعها. وعندما اندلعت ثورات عام 1848 في أنحاء أوروبا، وبعد ثلاثة عقود من رحيل نابليون، توقع كثيرون أن تتبع هذه الثورات نفس القالب الذي اتخذته الثورة في فرنسا 1789، اقتراعاً عاماً تليه اضطرابات ثورية، ثم إرهاب اليعاقبة المتشددين. في أنحاء أوروبا، قام الثوار بملء الفراغ الناتج عن غياب السلطة بالخطب ومشاريع الدستور، وبالتزامن مع ذلك قامت القوى القديمة بالبدء في التجمع. لم تصل الاضطرابات إلى الإمبراطورية الروسية، وقام القيصر نيكولاي الأول بنقل جيشه الضخم إلى الغرب لإيقاف عدوى الثورات، فيما بدأ الإمبراطور النمساوي، مدعوماً بنيكولاي إمبراطور روسيا، والجنرال الكرواتي الكونت جوزيب جيلاشيش بالقضاء على الثورة المجرية. وفي الوقت نفسه، انتقل الجنرال النمساوي جوزيف راديتزكي لهزيمة الثوار الإيطاليين، والجنرال الفرنسي لويس يوجين كافيجانك لتعبئة الطبقات الوسطى الباريسية لسحق الحركة الاجتماعية في الأحياء الفقيرة الباريسية. والخلاصة أن الثورات التي شهدتها أوروبا لم تنتصر كلها، ولكنها كانت دافعاً لتقوم الملكيات بالإصلاحات. واليوم بعد مئة وخمسين عاماً، تبدو هذه الملكيات هي الأكثر استقراراً في أوروبا. في مقالته التي أشرت إليها يؤكد جوناثان ستاينبرج بعدما استعرض تجربة بسمارك "أن الدرس المستفاد من "ربيع الشعوب"، أن الإطاحة بالنظام القديم تعد أمراً أسهل من بناء واحدٍ جديد، واليوم ليس للحشود في الشارع العربي بسمارك يرشدهم إلى شيء من الديمقراطية حتى ولو كانت محدودة". ويشير ستاينبرج إلى أنه في عام 2011 كان الثوار العرب يدعون إلى "الديمقراطية" و"الحرية"، "ولكن لا أحد يعرف بالتحديد ماذا قد تعني هذه المصطلحات لمجتمعاتٍ تحدثت بشكلٍ ناقص وبدون الخبرات الأوروبية في مجالات حقوق الإنسان والدستور، والمساواة. النهايات السعيدة تبدو غير قابلة للتصديق". والواقع اليوم بعد أكثر من عام على الاضطرابات العربية خير شاهد.