منذ تسعينيات القرن الماضي والولايات المتحدة تخضع بشكل متزايد لأيديولوجية استثنائية أصبحت ضحية لها مع مرور الوقت، تدعي بموجبها قيادة العالم، وتتوسل لتحقيق ذلك باستراتيجية العسكرة التي تضر بالمؤسسات الأميركية التاريخية، وتفسد قيمها الأصيلة. لذا يمثل إنهاء الحرب في أفغانستان ووضع حد لتوسيع القوة العسكرية الأميركية في العالم، خطوةً لا مفر منها لإنقاذ البلاد من هذه الأيديولوجية والفكاك من إسارها. بيد أن المعارضين لوقف النزيف الأميركي، والداعمين لمزيد من العسكرة يقولون إن الاستمرار في السياسة الحالية القائمة على خوض حروب استباقية، ونشر قواعد عسكرية في جميع بقاع العالم، أمر ضروري لحماية الأمن القومي، ومن ثم يصبح الوجود الأميركي الدائم في أفغانستان مطلوباً لإقامة موطئ قادم أميركي قريب من الصين يسهم في تطويق القوة الصاعدة والدخول في سياسة التخويف التي بدأتها أميركا بالفعل إزاء منافسها الأساسي. وإذا قادت هذه التصرفات الاستفزازية إلى حرب مع الصين، فليكن؛ لأنه في نظر مؤيدي هذه السياسية ستؤكد الحرب أن السياسة الأميركية كانت مبررة. وتمهيداً للانسحاب من أفغانستان أطلع مسؤولو "الناتو"، في أواسط مارس الجاري بالعاصمة كابل، باقي الحلفاء في الحرب وسفراءهم، بالإضافة إلى المبعوث الأممي في كابول، على البرنامج الجديد للناتو في أفغانستان بعد إنجاز خطة نقل الصلاحيات الأمنية للأفغان والتي يفترض أن ترى النور بحلول عام 2014. وبالطبع لم يكن هذا اللقاء سوى اجتماع غير رسمي قبل عرض البرنامج النهائي في قمة حلف شمال الأطلسي المقرر عقدها خلال شهر مايو المقبل بشيكاجو. والحقيقة أن البرنامج هو من صياغة أميركية كاملة ما دامت الحرب نفسها أميركية من البداية حتى النهاية. وبحسب ما عُرض على الحلفاء في كابل، فقد تم تحديد التكلفة السنوية لبقاء القوات الأمنية في أفغانستان بعد 2014 بنحو 4.1 مليار دولار، بحيث اقترحت واشنطن دفع 2.3 مليار دولار سنوياً من إجمالي التكلفة، فيما تسهم الحكومة الأفغانية بمبلغ 500 مليون دولار، أما باقي البلدان المشاركة في الحلف فسيتم تحديد حصتها لاحقاً حتى دون استشارتها. وهكذا سربت مصادر فرنسية مبلغاً قيل إنها علمت به من كابل حول حصتها التي تصل 1.3 مليار دولار سنوياً. والحال أن العديد من المراقبين لا يأخذون هذه الأرقام على محمل الجد، بالنظر إلى إعلان الفرنسيين انسحابهم من أفغانستان، كما لا يثقون في الوعود الأميركية وإمكان تحقيقها قبل موعد 2014. فالقوات الأميركية لا يكاد يرحب بها أحد في أفغانستان، باستثناء كرزاي الحائر بين رغبته في التخلص مما يعتبره مواطنوه احتلالاً أميركياً فاشلاً ومرفوضاً وغير نهائي، وما سيحصل لسلطته في حال سحب الولايات المتحدة جميع قواتها. هذا في الوقت الذي تواجه فيه القوات الأميركية وطائراتها كرهاً شديداً في باكستان المجاورة، أما الولايات المتحدة نفسها فلا تدري كيف تخرج من الورطة في ظل الخلافات السياسية الداخلية، وجبن السياسيين الذين يبدون على أتم الاستعداد للتضحية بالجنود الأميركيين والمدنيين الأفغان لدعم مواقفهم الحزبية، وتعزيز مكانتهم السياسية. فأوباما عندما تعهد بمواصلة الحرب في أفغانستان باعتبارها "الحرب الضرورية"، لم يكن في الحقيقة يعرف ما يفعل، لاسيما وأن هذا التعهد بدا موضوعاً انتخابياً جيداً خلال الحملة الرئاسية. لكن ما أن صعد إلى السلطة حتى بات تحت رحمة العسكريين الذين يملون عليه السياسات. فكيف لناشط سابق في المجتمع المدني وأستاذ للقانون بالجامعة، أن يفهم في أمور الجيش؟ وكيف له أن يقول للجنرالات ما يفعلون؟ بل بالعكس، كان يتلقى الأوامر من العسكريين الذين ثبت أنهم على خطأ بعدما تحولت الحرب في أفغانستان إلى كارثة محققة، حتى بتراويس، عبقري المؤسسة العسكرية، فرَّ بجلده إلى وكالة الاستخبارات المركزية تاركاً وراءه زملاءه وأوباما يصارعون واقعاً مريراً في أفغانستان. فهل يستطيع الرئيس مغادرة أفغانستان بكل بساطة وترك الأفغان يتدبرون أمرهم؟ لو فعل ذلك لن يغفر له الجمهوريون والصحافة، وسيعمل البنتاجون كل ما يستطيع لتحميله مسؤولية كل الأخطاء، بل سيحذر الجمهوريون من أن الأعداء في جميع أنحاء العالم سيصرخون "أميركا هزمت"، وسيواصلون هذيانهم بأن "طالبان" ستجتاح أفغانستان، مهولين من النتائج والتداعيات، بحيث ستكتسح "القاعدة" وخلاياها العالم الغربي لتسقط العواصم الأوروبية تباعاً وتتلوها أميركا لاحقاً، وبعدما تنزل القوات الصينية في كاليفورنيا لن يبقى أمام أوباما سوى وضع رصاصة في رأسه لإنهاء المأساة! غير أن الانتقادات لن تتوقف مهما فعل أوباما، فسواء ظل في أفغانستان لمئة عام أو انسحب غداً، لن تتمكن أميركا من حسم المعركة ضد "طالبان"، وسيواصل الجمهوريون صراخهم، لأن ما يهم هو تسجيل النقاط السياسية ضد الخصوم، بصرف النظر عن مصلحة الجنود الأميركيين والأفغان، وربما لن يجد أوباما من حل سوى السماح للجمهوريين بالوصول إلى البيت الأبيض ليعرضوا هم حلهم على الأميركيين ويتحملوا التبعات. وربما يذهب أوباما إلى أبعد من ذلك، بإصدار قرار رئاسي بحل الجيش الاحترافي وإعادة العمل بنظام الخدمة العسكرية الإجبارية، ليتم تجنيد أبناء جميع القادة السياسيين ليدخل التاريخ كبطل قومي! ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"