اتفق الروس مع الأعضاء الآخرين الدائمين في مجلس الأمن أخيراً على بيانٍ رئاسيٍّ صدر يوم 21 مارس يدعو الطرفين (السلطة والمعارضة) إلى وقف العنف فوراً، وهدنة يومية إنسانية، ودعم الحلّ السياسي الذي يقترحه كوفي عنان، مبعوث الأُمم المتحدة والجامعة العربية. والبيان الرئاسي كما هو معروفٌ أقلّ بكثيرٍ من القرار، لكنه يعني من جهة أخرى بدء التوافُق الذي تعثّر لستة أشهُر بين الأعضاء الدائمين الثلاثة (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا) من جهة، والصين وروسيا من جهةٍ أُخرى. وأهمُّ ما حصلت عليه روسيا هو إدانة العنف من الطرفين (أي المعارضة أيضاً). وهذه الإدانة المزدوجة كانت الدول الغربية تُعارضُها لأنه لا مقارنة على الإطلاق بين عنف النظام الفظيع، ودفاع المعارضين المسلَّحين عن أنفُسهم بأسلحتهم الخفيفة. إنما في مقابل هذا التنازُل كان هناك الالتزام الروسي بدفْع النظام في سوريا إلى وقف العنف باعتباره مصدر السلاح الذي تستخدمه كتائب الأسد بإسراف. لكنّ روسيا لاتزال على تشكُّك بنوايا الغربيين والعرب الخليجيين من جهة، وعلى تشكُّك من نوايا وخطط المحور الإيراني السوري. لذلك لم تقبل بفرْض مُهَلٍ أو توقيتاتٍ في البيان، كما لم تر تحديد مدةٍ لتقدم عنان بمقترحات الحلّ. والمعروف أنّ فريق عنان وصل إلى سوريا يوم 19 من الشهر الجاري للتفاوُض مع المسؤولين على أمرين: الهدنة الإنسانية من جهة، واستكشاف إمكانات تخفيف العنف توصلاً إلى وقْفِه. فما هي نقاطُ قوة هذا البيان التوافُقي وماهي نقاطُ ضعفه؟ تتمثَّلُ نقاطُ القوة في هذا التوافُق بالذات، فهو بمعنى من المعاني إشراكٌ لروسيا بهندسة الحلّ مع عنان، وبذلك دخلت روسيا في عملية التغيير ولم تَعُدْ تقفُ في وجهها أو تُعارضُها. ونقطة القوة الثانية هي الإجماعُ على الرضا بما يقترحُهُ عنان. وقد ذكرت مصادرُ متقاربةٌ أنّ عنان يفكّر بحلٍّ من خمس نقاطٍ (بعد وقف العنف)، وهي: تشكيل حكومة توافقية، وإجراء انتخابات نيابية خلال أشهر قليلة، وكتابة دستور جديد للبلاد، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة بعد الانتهاء من كتابة الدستور. وهذا يعني -بالنسبة للرئيس- أنه باقٍ حتى الانتخابات الرئاسية، إنما المفروض أنه لا يمارس صلاحياتٍ تنفيذيّة، بل تتولّى الحكومة التوافقية سائر الصلاحيات. وإذا كانت هذه – فيما يُرجَّح– "معالمُ الحلّ السياسي"، فإنّ هذا يعني نصف إصلاح، ونصف نظام، أو أنه تغييرٌ للنظام بالتدريج. وهنا تبدأُ عوامل وبواعثُ الضعف في التسوية أو التوصية التي يقترحُها البيان الرئاسي لمجلس الأمن. إذ رغم الدخول الروسي في الحلّ، فليس هناك ضمانٌ بأن يقبل النظام وقْف العنف في مدةٍ معقولة. وذلك لثلاثة أسباب: إنّ الطرف الإيراني بسوريا لايزال هو الأقوى، وإنّ حصار النظام للمدن والبلدات ودخوله العنيف إليها أعطاه إحساساً بالانتصار، وأنّ محيطه لجهتي العراق ولبنان ثابتٌ ومتماسكٌ ويدعمه اقتصادياً وأمنياً، بينما لا تشكّل الجهتان التركية والأردنية تحدياً حقيقياً حتى الآن. وبيان مجلس الأمن سيزيد الجهتين إياهما تردداً. ونقطة الضعف الثالثة أو الرابعة: تعدد الجهات المعارِضة وعدم التنسيق بينها، حتى تلك التي تقول بإسقاط النظام. فالتزامُ الروس بالضغط على النظام لوقف العنف، وللذهاب للتفاوض (بموسكو؟) يُرتِّبُ على المعارضة السياسية والعسكرية التزامَين: التوحُّد في جبهةٍ سياسيةٍ وعسكرية، والذهاب للمفاوضات معاً. بمعنى أنّ النظام إن قبل الحلَّ السياسيَّ فإنه يستطيع القيام بالتزاماته، بينما لا تستطيع المعارضة ذلك. إذ إنّ المنشقّين عن الجيش لن يقبلوا التفاوُض لأنه سيكون على رؤوسهم. كما أنّ السياسيين والناشطين، هناك كثيرٌ منهم فقدوا الأَمَل في إمكان الحلّ بالتراضي مع النظام، وهم يخْشَون أن يفقدوا ثقة الداخل إذا قبلوا التفاوُض ثم فشل الحلّ أو طالت آمادُهُ! ثم أين هي الجهة أوالجهات التي "تمونُ" على المعارضة بكافة فئاتها وأجنحتها، فتطلب إليها التوقُّف عن العنف والاكتفاء بالتظاهُر؟! إنّ الواقع الذي لا مَخْرَجَ منه أنّ الجهات والنواحي الثائرة منذ عامٍ صارت شديدة التعب والإرهاق. وقد فقدت أكثر من عشرة آلاف قتيل، ومنها مائة ألف معتقل، وثلاثمائة ألف مهجَّر بالداخل والخارج. والهدنة الإنسانية والسياسيةُ إن قبل بها النظام تحت ضغط المجتمع الدولي، تُعطي نَفَساً لسائر الناس فيستعيد الحراكُ الثوريُّ سلميته الكاملة التي كان عليها حتى الشهر السادس من العام الماضي. وإذا استعادت التظاهُراتُ زخَمَها فلن يكونَ ذلك من أجل التسريع بإسقاط النظام بالدرجة الأولى، بل من أجل الاستحثاث على المشاركة في الانتخابات، وإسقاط مرشَّحي النظام فيها. وبغض النظر عن الأهداف المعلَنة من وراء الانتخابات، فإنّ الذهاب بحرية إلى صناديق الاقتراع كفيلٌ بتحريك الأكثرية الصامتة، وهذا أمرٌ جيدٌ في بلدٍ ما شهد انتخاباتٍ حرَّةً منذ عام 1963! إلى أين من مجلس الأَمْن إذن؟ مجلس الأمن بعد نهاية الحرب الباردة، بل ونهاية حقبة الأحادية القطبية، ليس كمجلس الأمن في الحرب الباردة، وفي حقبة الأُحادية القطبية. وهذا يعني أنّ السياسات التي يمارسُها الأعضاء الكبار بالمجلس لا تُنفَّذُ أو لا تُصبحُ ممكنةً أصلاً إلاّ إذا وافق عليها الجميع. وعندما يوافقُ الجميع فهذا يعني أنّ مصالح سائر الأطراف صارت مؤمَّنة. وقد تطلَّب ذلك بالنسبة لسوريا نحو الثمانية شهور. إنما الفرقُ قبل حركات التغيير العربية وبعد حصولها، أنّ الداخل العربيَّ بدا مؤثّراً إلى حدٍ كبيرٍ، فاق أحياناً الإرادات الدولية، لكنه لم يُلْغِها! والواقع أنّ الداخلَ السوري الثائر هو الذي أَخَّر الوصولَ إلى الحل، إقليمياً ودولياً. فقد عاندت روسيا في التدخُّل خوفاً أن يُصيبَها ما أصابها في ليبيا من استبعادٍ وإقصاء. ثم وجدتْ أنها لا تستطيعُ الاستمرار في الدعم المطلق لنظامٍ لا يأبه للسمعة الدولية، ولا لمنظر روسيا في العالم العربي. ففاوضت وصارت مستعدةً بعد الانتخابات الرئاسية هناك، للإصغاء والاستماع إلى لغة تبادُل المصالح. والأميركيون والأتراك اندفعوا أولاً كما اندفعوا مع الثورات العربية الأُخرى. لكنّ الأميركيين تردَّدوا بسبب الإصغاء لشكوك الكيان الصهيوني، والدخول في سنة الانتخابات الرئاسية عندهم. وهناك هذا الصراع على إيران بين الروس والصينيين من جهة، والعالم الغربي من جهةٍ ثانية. وإيران مندمجة في العراق وفي سوريا و"حزب الله". ولا يستطيع الأتراك مواجهتها بدون إضرارٍ بمصالحهم. وهكذا راوحَ الكثيرون، باستثناء مجلس التعاوُن الخليجي، والذي مضى مصمِّماً فقَّدم المبادرة العربية، وشهد تردد عدة دُوَلٍ عربيةٍ على رأسها مصر والجزائر(!). وفي شهور المراوحة هذه سار النظام السوريُّ قُدُماً في إنفاذ الحلّ الأمني. وقد خفّفتْ كثافةُ القتل والسجن والتهجير من التظاهُر، وأدَّت إلى حمل السلاح، وخَوض معارك غير متكافئة بالطبع. وفي الوقت نفسِه، ثبت الدعمُ للنظام السوري، وظهرت عدم فعالية المعارضة بالخارج، وانقسام الحركيين والأنصار بالداخل. وعلى وتيرة تصاعُد العنف صار واضحاً لكلّ ذي عينين بالخارج أنّ الحسم الداخليَّ غير مقدورٍ عليه. وقد أعطت هذه الواقعةُ قوةً للنظام، وقوةً للمعارضة في الوقت ذاته. فإذا لم يكن ممكناً إسقاطُ النظام بالتظاهر أو بالسلاح؛ فإنّ المعارضة صارت جزءاً أساسياً من المشهد السياسي لا يمكن تجاهُلُهُ بالداخل أو بالخارج. أو بالأحرى: ماعاد هناك نظامٌ ومعارضةٌ، بل فريقان متصارعان، أحدهما يملك قوةً عسكريةً أكبر، وحلفاء مستميتين في المحور الإيراني الذي ينتمي إليه منذ عقود! إنّ تدخُّلَ مجلس الأمن بهذه الطريقة، يدلُّ على بدء حصول التوافُق على تغيير النظام بالسلم والتدريج حتى لا يتضرر فريقٌ أو فرقاء داخليون أو إقليميون أو دوليون، وحتى لا يظلَّ الاستقرارُ مزعزعاً في هذه المنطقة المضطربة. والنظام الذي أثبت قدرةً على الصمود هو اليومَ بين أحد أمرين: إما أن يستفيد من هذه الوقائع لتنظيم مسألة انصرافه بدون المزيد من الدماء، والتأثير السلبي على الذين يدعمونه بالداخل والخارج، أو توهُّم إمكان الاستمرار بالقوة، فيسقط في الخراب الذي صنعه ويصنعُهُ، وفي المستقبل المنقسم الذي يُبشِّر به. إلى أين من مجلس الأمن إذن؟ إلى المزيد من العنف والمزيد من التدخُّل الدولي، أو إلى حلٍّ سياسيٍّ ترعاه الأُمَمُ المتحدة، وهذا تدخُّلٌ دوليٌّ أيضاً!