أيمن ورحمة أبو حسين لا يسعهما إلا أن يشعرا بالارتقاء الاجتماعي. فقد قام هذا المهندس المتخصص في قواعد البيانات وزوجته للتو بشراء أول منزل لهما، وهو كبير بما يكفي حتى يحصل كل واحد من طفليهما على غرفته الخاصة. وهناك سيارة من نوع "هيونداي" مركونة في الخارج، وتلفاز ذو شاشة مسطحة معلق في غرفة الجلوس، وهو واحد فقط من بين مجموعة من الأجهزة الجديدة التي ازدان بها المكان. غير أن عائلة أبو حسين غارقة في الديون حتى الأذنين، وذلك لأن صعودها الاجتماعي، وعلى غرار آلاف الفلسطينيين الآخرين، جاء مربوطاً بشيء كان نادراً ذات يوم في الضفة الغربية: القروض المنزلية والقروض الاستهلاكية. ففي السنوات القليلة الماضية، أدى توافر القروض المنزلية والقروض الاستهلاكية، بدلاً من السيولة النقدية، إلى ارتفاع كبير في القروض الشخصية بالنسبة للطبقة المتوسطة في الأراضي الفلسطينية، حيث تضاعفت إلى نحو 750 مليون دولار من 2008 إلى نهاية 2011 وارتفعت بنسبة 40 في المئة خلال العام الماضي وحده، حسب أرقام السلطة الفلسطينية. وقد أتى معظم الارتفاع من زيادة في القروض المنزلية، التي لم تكن متاحة في الماضي إلا للأغنياء، أو أولئك الذين كانوا يستطيعون إيجاد ثلاثة أشخاص من أجل ضمانهم. أيمن أبو حسين، الذي يبلغ 38 عاماً، قال إنه ينفق نحو 60 في المئة من دخل العائلة المشترك على القروض، علماً أن زوجته تعمل معلمة، وهو يعمل عملاً إضافياً لدى صحيفة محلية. وذلك يمثل ضعف ما كان يدفعه حين كان مستأجراً، وقرابة ضعف ما يعتبره الخبراء مستوى يمكن السيطرة عليه بخصوص القروض الشخصية. وهو يشعر بأنه أفضل حالًا إذ يقول: "قد أكون أفقر من حيث قدراتي النقدية، ولكنني نفسياً أشعر بأنني أملك أكثر". علماء الاقتصاد يقولون إن توافر القروض الاستهلاكية يمثل أحد العوامل التي أسهمت في النمو الاقتصادي الذي عرفته الضفة الغربية خلال العامين الماضيين، إلى جانب تحسن الوضع الأمني والتخفيف النسبي من قبل إسرائيل في عدد نقاط التفتيش التي تديرها في الأراضي المحتلة. وفي هذا الإطار، يقول باسم مخلوف، رئيس شركة "سي. بي. إس" للاستشارات الاقتصادية: "يمكن أن تنظر حولك وترى تأثير القروض في الشوارع"، مضيفاً "فكل السيارات جديدة، وهناك الكثير من أشغال البناء. القروض المنزلية لديها تأثير اجتماعي جيد لأنها تقوي الناس وتمكنهم من تحسين ظروف عيشهم". ولكن البعض يرى أخطاراً أيضاً،. إذ على الرغم من أن متوسط مستويات الديون الفلسطينية مازال منخفضاً مقارنة مع آخرين، ومتوسط معدلات التخلف عن تسديد الديون يعد منخفضاً نسبياً بـ2 في المئة، إلا أن اقتصاد الضفة الغربية يعتمد بشكل كبير على المنح الدولية والضرائب المنقولة من إسرائيل، كما يقول خبراء. والجدير بالذكر في هذا الإطار أن مصادر التمويل تلك كانت قد عُلقت مؤقتاً في الخريف الماضي بسبب حالة عدم يقين سياسية بشأن حكومة وحدة اقترحت بين "فتح" التي توجد في الضفة الغربية و"حماس" التي توجد في قطاع غزة، والتي تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة منظمة إرهابية. وبالمثل، فقد انهار الاقتصاد في 2006 عندما رفض المجتمع الدولي وإسرائيل تقديم الأموال للسلطة الفلسطينية بعد فوز "حماس"، التي ترفض الاعتراف بإسرائيل، في الانتخابات الفلسطينية، علماً أن الاقتصاد الفلسطيني يغذى في الغالب بواسطة الرواتب الحكومية التي كانت عاملاً في الانهيار. ولذلك، ففي حال حدوث شيء مثل ذلك مرة أخرى، فإن الآلاف من أصحاب القروض المنزلية الجديدة والبنوك التي أقرضتهم يمكن أن يكونوا في خطر. وفي هذا الإطار، يقول مخلوف: "إن العديد من البنوك الكبيرة ستفلس في تلك الحالة"، مشيراً إلى أن السلطة النقدية الفلسطينية "أجرت اختبارات تحمل بهذا الشأن ولم تنجح فيها عدة بنوك". ومن جانبه، عبَّر نضال البرغوثي، المدير العام لـ"البنك الإسلامي الفلسطيني"، حيث ارتفعت القروض المنزلية من لاشيء قبل خمسة أعوام إلى 40 مليون دولار اليوم، عن شعور بالقلق لأن بعض البنوك تبدو شرسة ومندفعة بقوة في جذب الزبائن، علماً بأن الكثيرين ليسوا متعودين على القروض حيث قال: "إن المقرضين لا يكترثون كثيراً عندما يتعلق الأمر بالمال السهل". عائلة أبو حسين وآخرون عاشوا مؤخراً تجربة أعطتهم فكرة حول الصعوبات التي قد تنتظرهم في حال واجهت السلطة الفلسطينية مشاكل تتعلق بالمال. ففي نوفمبر الماضي، وهو الشهر الأول للقرض المنزلي الجديد الذي حصلت عليه عائلة أبو حسين، لم تدفع السلطة الفلسطينية رواتب الموظفين لأن إسرائيل علقت مؤقتاً نقل نحو 100 مليون دولار من عائدات الضرائب الفلسطينية التي يتم جمعها في الموانئ الإسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية. ولأن كليهما يعملان لدى السلطة، فقد تخلف الزوج عن تسديد أول قسط من الدين المنزلي. وفي الأخير، استأنفت إسرائيل دفع عائدات الضرائب للسلطة الفلسطينية ولم يفرض عليهم البنك أي رسوم بسبب التأخر في الدفع. ولكن التجربة جعلت أيمن أبو حسين يشعر بالقلق من حدوث اضطرابات سياسية في المستقبل إذ يقول: "اليوم لدي كل هذه المسؤولية ملقاة على عاتقي، وهمِّي الرئيسي هو الاستقرار"، مضيفاً "إنني لا أرغب في أن يحدث شيء قد يوقف رواتبي". إدموند ساندرز – رام الله ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"