البعض ينظر إلى الإمارات على أنها مدن أسمنتية يغذيها النفط، أو أناس يشترون راحتهم بثرائهم، أو بشر آخر ما يفكرون فيه ثقافتهم ... كلمات نسمعها عند البعض وبالذات عند سفرنا خارج الوطن، أو عبر بعض وسائط الإعلام المتعددة. ولكن لسان الحال لا المقال يعكس صورة مختلفة عن الإمارات وأهلها، فمتاحف عالمية تحتضن شتى أصناف الفنون، ومراكز سياحية أضحت واحة غناء في وسط الصحراء، وأكثر من خمسين جامعة ومؤسسة تعليم عال ذات مشارب مختلفة وتخصصات متعددة... محاضرات وأمسيات أسبوعية ومحافل للفكر والثقافة تحتضن فعاليات لاتعد ولا تحصى. أصبحت الإمارات نبعاً ثقافياً يرتوي منه العطشان في صحراء الفكر والثقافة. ويأتي معرض أبوظبي للكتاب الذي يفتح أبوابه هذا الأسبوع تتويجاً لعدد غير متناه من الفعاليات الثقافية والأدبية والفكرية، ومع كل معرض كتاب تطرح بعض الأسئلة نفسها: لماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ ولمن؟ وما هي ميادين القراءة الواجب خوض غمارها؟ سأحاول الإجابة عن بعض هذه التساؤلات في عجالة. لقد تبين بالدراسة العلمية المتأنية أن الدماغ البشري تتسع قدراته بالقراءة المستمرة، فملايين الخلايا العصبية في أدمغتنا بحاجة منا إلى القراءة والخبرة كي يعاد تشكيلها. كما بينت الدراسات المتأنية في مجال النفس البشرية أن الإنسان بإمكانه أن يبدأ حياته من جديد ويبرمج تصرفاته بالمفيد لعدد من المثيرات منها القراءة الجيدة. وعلم المنطق والحجج والتفكير الناقد يقول لنا إن من يقرأ يكون ذا حجة أكثر من غيره. ولو توجنا ما سبق بأن الله تعالى خالق البشرية والعالم بأسرارها، اختار أن تكون كلمة اقرأ أول رسالة تصل من السماء إلى الأرض ونزلت هذه الآية في أمة أُميّة، أصبحت أمة متحضرة بالعلم والاطلاع نقلت علم الشرق إلى الغرب بعد أن طورته، فمن أراد أن تكون له حضارة ورقي على المستوى الشخصي والأممي فأسرع طريقة لذلك تتلخص في القراءة. ومع تدخل التجارة في علم المعرفة، أصبحت عملية اقتناء الكتب خاضعة لمغريات العرض والطلب وفي الغالب، فإن القارىء العربي يبحث عن أهل الشهرة، كي يقرأ لهم، ولا لوم في ذلك، لكنني سأحاول أن أبحث معكم عن ميادين لابد من التركيز عليها عند البحث والقراءة، فأول ميدان وأهم ميدان يحتاج الإنسان إلى أن يقرأ حوله هو العلاقة بالخالق سبحانه وتعالى، ومن فهمنا لقول نبينا عليه الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم، نجد أن فرض العين في التعلم يبدأ بأن يفهم الإنسان عقيدته، وينقي عبادته من الشوائب. يخاف الناس اليوم من الغلو والتشدد والتنطع في الدين وليس من علاج لكل ما سبق من الظواهر أفضل من العلم بها، فعالم الانحرافات والشبهات الفكرية، إنما يعالج بالعلم، ولا تنتشر هذه الظواهر إلا عند أنصاف المتعلمين، فدعوة صادقة لإعادة فهمنا لديننا، فالدين لا يورث بل هو اعتقاد شخصي. الجانب الثاني من الكتب التي يجب اقتناؤها مرتبط بجانب تخصصك الدراسي والمهني، والمجموعة الثالثة من كتبك هي المرتبطة بالتطوير الذاتي، مثل كيف تكسب الأصدقاء، أو كيف تربي جيلًا ناجحاً، وهناك كتب الأدب والقصص والثقافة كي ترق طباعنا، وفي كل ميدان اقرأ لمن تخصص فيه، فلكل علم فرسان ولا يحوي كل العلوم إنسان.