تصاعدت المطالب مؤخراً من قبل الرأي العام الأميركي الذي أعيته الحرب بإنهاء المهمة الأميركية في أفغانستان بعد سلسلة من الأحداث المأساوية، ولكن مهما كانت تلك الوقائع مؤسفة، فهي لا تغير مصالح الأمن القومي الحيوية بالنسبة لأميركا في أفغانستان، كما لا تعني بأي حال من الأحوال أننا خسرنا الحرب، فما زالت هناك فرصة واقعية للنجاح فقط لو اتخذت القرارات الصائبة خلال الشهور القليلة المقبلة. فالدرس المؤلم الذي تعلمناه من هجمات 11 سبتمبر 2001 ما زال قائماً حتى اليوم ويتمثل في أن ما يحدث في أفغانستان يؤثر على أمننا هنا في أميركا، فقد سبق لنا التخلي عن أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي وكانت النتيجة ظهور نظام متعصب سمح بتحول أراضيه إلى قاعدة لتنفيذ هجمات إرهابية، وفي الوقت نفسه إخضاع الشعب الأفغاني لاستبداد يعود للقرون الوسطى، ولاسيما فيما يتعلق بحقوق النساء. وإذا قررنا اليوم التخلي عن أفغانستان مجدداً وترك ملايين الأفغان الذين جازفوا بحياتهم للتحالف معنا على أمل النجاح سويّاً في تحديد مصير البلاد، فإن النتائج ستكون كارثية للشعبين الأفغاني والأميركي. والحقيقة أنه ليس ضروريّاً أن ينتهي الأمر إلى كارثة، ولاسيما في ظل التقدم العسكري الملحوظ الذي تحقق في البلاد، وهو التقدم الذي كنا بصفة شخصية شهوداً عليه في زياراتنا المتكررة إلى أفغانستان. فقبل أربع سنوات كانت أفغانستان تعرف تقدماً لحركة "طالبان" بسبب ما عاناه التحالف من نقص في الموارد وافتقاد لاستراتيجية قادرة على كسر زخم "طالبان" ووقفه عند حده، ولكن اليوم انقلب الوضع بفضل خطة الزيادة في عدد القوات التي أقرها أوباما والقيادة الماهرة لبعض قادتنا العسكريين، فضلاً عن شجاعة واستبسال جنودنا. وفي السياق نفسه تمت مراجعة جهودنا الرامية إلى بناء قوات الأمن الأفغانية التي عانت في السابق من شح الموارد وعدم الانضباط، وأصبحت أعداد متزايدة من القوات الأفغانية قادرة على قيادة العمليات القتالية.أما الأمثلة الأخيرة لبعض حوادث توجيه السلاح إلى الجنود الأميركيين فهي حالات معزولة عليها ألا تحجب حقيقة أن مئات الآلاف من الأفغان يحاربون يوميّاً كحلفاء لنا ويخوضون معارك مشتركة ضد "القاعدة" و"طالبان"، وأن هؤلاء الوطنيين من الأفغان يتكبدون إصابات ويُقتلون بأعداد أكبر من قواتنا، وهو ما يتعين أن يمنحنا أملاًً في تحقيق أهدافنا المشتركة المتمثلة في الوصول بأفغانستان إلى مستوى تأمين وحكم نفسها، وهذا هدف قابل للتحقيق مع الوقت. ولكن لصيانة ما تحقق من مكاسب هشة لابد من مقاومة أوباما للدعوات غير الموفقة بتقليص إضافي للقوات الأميركية، ذلك أن هذه الدعوات وصفة محققة للفشل. فحسب ما يثار في واشنطن يُتوقع سحب 68 ألفاً من القوات الأميركية بحلول سبتمبر المقبل وهي وتيرة أسرع بكثير مما ينصح به العسكريون، خوفاً من تعريض مهمتنا للخطر. فعلى الأقل يتعين الانتظار وعدم التسرع بسحب القوات حتى انتهاء سبتمبر، وربما إلى السنة المقبلة. أما على الصعيد الاستراتيجي فسيؤدي الإعلان عن تخفيض القوات إلى تكريس تصور غير صحي بشأن تخلي الولايات المتحدة عن أفغانستان، وهذا الشك يجعل ما تقوم به قواتنا أصعب، كما يخلق دوافع إضافية لـ"طالبان" للاستمرار في القتال، هذا بالإضافة إلى دفع حلفائنا الأفغان إلى اتخاذ قرارات سيئة قائمة على الخوف من مستقبل ما بعد الانسحاب. ولذا تبقى الطريقة الوحيدة المناسبة لتغيير الدينامية الأفغانية هي السعي إلى تحقيق الهدف الذي أعلنه أوباما والقائم على تأسيس علاقة سياسية واقتصادية وعسكرية طويلة الأمد مع أفغانستان من خلال الآلية المتمثلة في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي تتفاوض عليها الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية منذ أكثر من سنتين. وقبل أسبوعين فقط تم تذليل عقبتين أساسيتين كانتا تقفان في وجه الاتفاق، الأولى تتعلق بنقل الإشراف على مراكز الاعتقال إلى الأفغان، والثانية التي سيتم التوصل إليها قريباً تتصل بإشراف القوات الأفغانية على العمليات الليلية، وبتسوية هاتين القضيتين يمكن المرور مباشرة إلى التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وهو ما سيوفر إطاراً قانونيّاً لبقاء القوات الأميركية في أفغانستان إلى ما بعد 2014 بما فيها منشآت تدار بالشراكة، ودعم طويل الأمد لقوات الأمن الأفغانية البالغ قوامها حاليّاً 350 ألف جندي ورجل أمن. ويظل الأساسي من هذا الالتزام العسكري الأميركي إبقاء قوة لمكافحة التمرد تواصل عملها مع الشركاء الأفغان لمواجهة "القاعدة" و"طالبان" وضمان عدم رجوع تلك المجموعات لتشكل خطراً عسكريّاً على البلاد، وبالطبع لن تكون هذه القوة سوى جزء صغير من قواتنا الحالية التي ستغادر أفغانستان، ولكن مع ذلك لابد من بقاء سلاح الجو الأميركي لإسنادها، بالإضافة إلى الاستخبارات التي ستقدم الدعم للأفغان والقوات الخاصة، وهذه القوة باختصار ستكون بمثابة بوليصة التأمين ضد سيطرة الإرهاب على أفغانستان وعدم تكرار هجمات أخرى شبيه بتلك التي هزت أميركا في 11 سبتمبر 2001. وفي إطار الاتفاق مع أفغانستان ستحدد الظروف التي ستنسحب بموجبها القوات الأميركية وتسلم القيادة للأفغان، فالشراكة الاستراتيجية مع الحكومة الأفغانية تبعث برسالة واضحة إلى "طالبان" مفادها أنها لن تستطيع انتظار خروج الأميركيين لكسب المعركة، وهو ما سيعزز فرص المصالحة بشروط تخدم مصلحتنا ومصلحة الحكومة الأفغانية. هذا بالإضافة إلى تحفيز قادة أفغانستان على محاربة الفساد وإدارة الدولة بشكل أفضل بعد تأكدهم من وجود بديل على المدى البعيد عن أي شركاء إقليميين آخرين، وباختصار فإن من شأن الاتفاقية أن تغير الخطاب حول أفغانستان من فكرة التخلي الدولي الوشيك عنها إلى الالتزام طويل الأمد تجاهها. جون ماكين وجوزيف ليبرمان وليندسي جراهام أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"