من الطبيعي أن يفترض الجدل الدائر حول العراق والشرق الأوسط، وجود سياسة معتبرة تجاه هذه القضايا في واشنطن، وأن هناك في المنطقة مسؤولين أميركيين، من أمثال بول بريمر- حتى وقت قريب- وجون نيجروبونتي سفير الولايات المتحدة الأميركية في بغداد، يتولون تنفيذ تلك السياسة في المنطقة. ومن حيث المبدأ، فإن تلك هي الطريقة التي يفترض أن تمضي بها الأشياء، حتى وإن كان الواقع الفعلي يشير إلى غير ذلك. ومن الطبيعي أيضاً أن يعتقد المرء، أن لمبادئ السياسات أهمية خاصة بالنسبة لإدارة الرئيس بوش، طالما أصبح وارداً أن يحدد مجرى الأحداث في العراق، مصير الانتخابات الأميركية المقبلة، وما إذا كانت الرئاسة ستؤول إلى جورج بوش أم إلى جون كيري. كانت نتائج لاستطلاعات الرأي العام أجراها مركز "بيو" الأميركي لاستطلاعات الرأي الأسبوع الماضي، أكدت أن السياسات الخارجية الأميركية، أصبحت القضية الأهم، في الانتخابات الرئاسية الحالية، وأنها حلت محل الاقتصاد من حيث الأهمية. ومما لا شك فيه أن هناك في البيت الأبيض، من يولي اعتباراً وأهمية خاصة لمجريات الأمور والأحداث في العراق، افتراضاً. غير أن الواقع يقول خلاف ذلك. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" للتو، تقريراً عن اتخاذ اثنين من أهم القرارات الأميركية في العراق، من قبل كتيبة تابعة لسلاح "المارينز"، دون حتى استشارة واشنطن أو أي من كبار المسؤولين، سواء من العراقيين أو الأميركيين الموجودين في بغداد! ففي خارج مدينة الفلوجة، التي يسكنها أكثر من نصف مليون مواطن عراقي، وتعد من أهم بؤر النزاع والمواجهات الجارية هناك، قررت كتيبة من "المارينز" أن تحل محل كتيبة أخرى تابعة للجيش في شهر أبريل الماضي.
ثم على إثر اغتيال أربعة من موظفي شركات الأمن الخاصة الأميركية العاملة في المدينة، والتمثيل بجثثهم، شنت كتيبة "المارينز" هذه، هجوماً مشتركاً مع قوات المشاة وسلاح المدرعات، تم تعزيزه جواً، في سبيل البحث عن الجناة المجهولين واعتقالهم. وكانت النتيجة أن تمت مقاومة ذلك الهجوم، ونجح المقاتلون العراقيون في إيقافه عند حده، إلا أنه أدى إلى هبَّات مسلحة ضد الاحتلال الأميركي في مناطق أخرى من العراق. وقد أثارت هذه التطورات اهتمام واشنطن، وانتهى الأمر بانسحاب القوات الأميركية التدريجي من الفلوجة، وتسليم بعض المقاتلين أنفسهم، الذين خاضت ضدهم كتيبة "المارينز" ذلك الهجوم. ومنذ ذلك اليوم، تحول الجزء الأعظم من المدينة، إلى منطقة شبه محرمة وممنوعة على الأميركيين.
أما في مدينة النجف، ففي وقت مبكر من شهر أغسطس الجاري، قرر قادة كتيبة أخرى من "المارينز"- وفقاً لتقديراتهم الذاتية- وضع حد للتحدي الذي مثلته قوات جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، للقوات الأميركية والسلطات العراقية على حد سواء، في المدينة. وخرقت قوات "المارينز" الاتفاق المبرم مع الزعامات الدينية والروحية حول "المنطقة المستثناة"، وهي المنطقة المحيطة بمسجد الإمام علي وضريحه، باعتبارها الأرفع مكانة وقداسة دينية، لدى جميع الشيعة. وفي إطار ذلك الاختراق، أشعلت القوات الأميركية فتيل مواجهات مسلحة مع قوات مقتدى الصدر، استمرت لثمانية أيام. وتطلبت المعركة الضارية، تعزيز القوات الأميركية الموجودة في النجف، بعناصر ومقاتلين من الجيش الأميركي، إضافة إلى مقاتلين من القوات العراقية التي لم تختبر مهاراتها وقدراتها القتالية بعد، على أرض المعارك والعمليات. وأعقبت تلك المواجهات سلسلة من الهدنات المتفق عليها بين الجانبين، إلا أنها أخفقت الواحدة تلو الأخرى. وحتى لحظة هذا المقال، لا يزال القتال محتدماً بين الجانبين، ولم يوضع حد له بعد.
والسؤال الملح الذي لابد من طرحه هو: من الذي يتولى المسؤولية في العراق، إذا كانت أكثر القرارات العسكرية حساسية، تتخذ على مستوى قيادة الكتائب وقيادات "المارينز"؟ وسؤال آخر: هل ترمي قوات "المارينز" إلى إظهار واستعراض عضلاتها العسكرية، لتثبت أنها أكثر كفاءة قتالية من تلك الكتائب والوحدات العسكرية التي تحل محلها؟ ثم يتبع سؤال ثالث: ما معنى وجود السفير الأميركي "جون نيجروبونتي" في العراق؟ ففي صحبته الآن طاقم دبلوماسي ضخم، يضم حوالي 3000 فرد، لبلد لا يزال يتمتع بسيادة اسمية لا أكثر، ويفترض في حكومته المؤقتة أن تمسك بزمام السلطة السياسية؟ فقد تناقلت الأنباء أنه ومع بدء تبادل إطلاق النار بين قوات "المارينز" وقوات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر، سعى هذا الأخير، طلباً للعون الدبلوماسي، وأحيط السفير "نيجروبونتي" علماً بالأمر، إلا أنه نقل عنه ما يعني مؤازرته لما بدأته قوات "المارينز"، أي أنه أسهم في تصعيد الوضع إلى المأزق الحالي الذي هو فيه الآن.
أما حادثة الفلوجة التي ذكرناها من قبل- وهي إهانة غير مشكوك فيها وتمريغ لأنف الجنود الأميركيين- فقد حدثت عندما كان بول بريمر في قمة الإدارة الأميركية هناك، علاوة على مسؤوليته القنصلية في السفارة. وأسهم بريمر شخصياً، في تجاهل انطلاق ال