كثير من الشعوب التي كافحت الاستعمار خاضت العديد من أشكال النضالات ضد محتليها. ومنها من لجأ لهذه الأشكال مجتمعة في مرحلة ما، ومنها من تابع شكلاً أو أكثر عبر مراحل كفاح طويلة. على أن الشكل الرئيسي للنضال لا يمكن فصله عن أشكال النضال الأخرى، ذلك أنه ربما يكون هذا الشكل أو ذاك هو الأمثل تبعاً للظروف والعوامل التي يعيشها شعب دون آخر. واليوم، ثمة توافق واسع عالمياً على أن المقاومة السلمية هي الأنجع، حيث تستطيع الشعوب ممارستها بأقل الخسائر عبر العمل السياسي والثقافي والفكري والاقتصادي والتنموي. كما يستطيع الجميع المشاركة فيها: الرجال والنساء والشباب والشيوخ. والمقاومة السلمية لأي احتلال أو استبداد باتت الآن مقبولة عالمياً وتتماشى مع الظروف الدولية. ووفق ما كتبه حازم صاغية: "جاءت القفزة الكبيرة للحرية مع انتفاضات أوروبا الشرقية والوسطى أوائل التسعينيات، والتي جعلت من السلمية وسيلة حصرية للثورة، كما جعلت من الديمقراطية هدفاً حصرياً لها". مهم أن يعرف القاصي والداني أن المقاومة الشعبية الفلسطينية لم تتوقف يوماً على امتداد قرن أو يزيد، وصولاً إلى ما بعد "فشل" انتفاضة الأقصى المسلحة سياسياً وعسكرياً (لظروف تتعلق بميزان القوى مع إسرائيل ولتعقيدات إقليمية ودولية). ومن الأمثلة على النضالات الأحدث، يظهر لنا إضراب الأسير "خضر عدنان" عن الطعام، الأمر الذي حرّك العالم أجمع مطالباً بالإفراج عنه. وها هي الأسيرة "هناء شلبي" و30 معتقلاً آخرين وقد ساروا على الطريق ذاته. كما يجب أن لا ننسى قرية بلعين وأخواتها اللواتي ما زلن، منذ سنوات، يلجأن لأسلوب سلمي وحضاري في سياق الاحتجاج كل يوم جمعة ضد جدار الفصل العنصري، أو ضد حركة الاستعمار (الاستيطان)، أو مصادرة الأراضي، يشاركهم في كفاحهم المسالم متضامنون من مختلف دول العالم، علاوة على ناشطين إسرائيليين، ضمن حملة تعبوية فلسطينية شعبية، حصلت على دعم العديد من المجموعات الشعبية والمنظمات الدولية المؤيدة للشعب الفلسطيني التي تطلق أيضاً المظاهرات والفعاليات في مجتمعاتها بهدف الضغط على حكوماتها، مطالبةً إسرائيل بوقف ممارساتها الاحتلالية. ومع استمرار التظاهرات الشعبية دون انقطاع، أجبر أهالي بلعين الاحتلال على إزالة جزء كبير من الجدار عن أراضي القرية، وكذلك في قرية "جيوس". بل إن الاحتجاجات نجحت في استعادة أراضي مواطنين فلسطينيين، سواء من "المستوطنين" أو من جيش الاحتلال. ومؤخراً، تكرست في الخليل "الفعاليات المحلية للحملة الدولية الثالثة لإعادة فتح شارع الشهداء"، بدأها من أطلقوا على أنفسهم لاحقاً منظمو "شباب ضد الاستيطان"، وهو تجمع شبابي وطني غير حزبي يهدف إلى إنهاء الاحتلال وتفكيك المستعمرات (المستوطنات) عبر وسائل العمل الجماهيري السلمية، حيث شارك في الحملة الأولى عام 2010 أكثر من 25 موقعاً في العالم، واستكملت 2011 في اكثر من 31 موقعاً، وتجاوزت هذا العام 120 موقعاً، فيما يستعد الفلسطينيون والمتضامنون مع القضية الفلسطينية في العالم لـ"مسيرة المليون" إحياءً ليوم الأرض نهاية الشهر الجاري من خلال مسيرات تضامنية تجاه مدينة القدس المحتلة في خمس جبهات على الحدود الشمالية والغربية والجنوبية. إن تبني المقاومة السلمية الشعبية يحتاج، قبل أي شرط، تحقيق توافق وطني شامل يرتكز على الاقتناع بأهمية وتأثيرهذه المقاومة، مع التأكيد -في الوقت ذاته- على شرعية وإمكانية "المقاومة المسلحة" للاحتلال وفقاً للظروف المتغيرة. لذا، فإن في تبني كافة الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركتا "فتح" و"حماس"، نهج المقاومة السلمية الشعبية حالياً مؤشر على تطور في الوعي والنضج السياسي، سبقهم إليه الشعب الفلسطيني (وشعوب عربية أخرى)، مع إيمان جميع الفصائل بأن أهم ما ميز الثورتين التونسية والمصرية، دون غيرهما، هو المقاومة السلمية، المدعومة بالوسائل الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي. لذا، متاح للفلسطينيين، فصائل وأحزاب وقوى مجتمع مدني، تبني المقاومة الشعبية التي تراها مناسبة للوضع الفلسطيني الخاص، الأمر الذي سيؤدي، أولاً، إلى إعادة الجماهير إلى ساحة النضال اليومي، وثانياً، إلى تعاظم التأييد الدولي للقضية الفلسطينية مع تنامي العلاقة الجدلية بينهما، وثالثاً الإسهام في عزل إسرائيل أكثر ونزع شرعيتها تدريجياً. غير أن "المقاومة الشعبية" تحتاج إلى استراتيجية وطنية فلسطينية متماسكة، ما يكفل خوض معركة استنزاف جدية ويومية مع الاحتلال وعلى كل المستويات ضمن جبهتين داخلية وخارجية. بل إن وجود "حماس" كحركة سياسية، و"الجهاد الإسلامي"، سيضيف في الحالة الفلسطينية، مايجعلنا نتفق مع "صاغية حين يقول: "إن الحرية في المستقبلين القريب والبعيد، ستكيف الدين كما أن الدين سيكيف الحرية. وهذا التكييف المتبادل سيترك تأثيره العميق في وجهة المنطقة". وبالمقابل، هناك "عوامل نفي" لإمكانية قيام "انتفاضة ثالثة"، أهمها الواقع الفلسطيني السياسي الراهن. فالتفكك السياسي والمؤسسي الذي تعاني منه الحركة الوطنية الفلسطينية يحد من قدرتها على وضع هدف وإستراتيجية لتوجيه المقاومة الشعبية. وعن هذا، يقول محللون، عرب وغير عرب، إن الظروف حالياً في الضفة غير مهيأة، خاصة في ظل مد وجزر جهود المصالحة بين "فتح" و"حماس"، ناهيك عن توصل متنفذين فلسطينيين (سياسيين ورجال أعمال) إلى قناعة قوامها أن ثمن الانتفاضة الثالثة ربما يكون باهظاً، فضلاً عن إشارتهم إلى تدهور المعنويات وغياب القيادة المبادرة التي تقود الانتفاضة، مع استمرار حالة "الموت السريري" الذي تعانيه معظم الفصائل. كذلك، فإن انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، يلغي الاحتكاك بالمظاهرات التي يمكن أن تنطلق، هذا علاوة على وجود "التنسيق الأمني" بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال في الضفة. وفي ظل ما يسمى "الربيع العربي"، وتهشيم الشعوب العربية لحاجز الخوف، لم يعد ممكناً (فيما أوضحت القيادة الفلسطينية) استمرار المراهنة على مفاوضات عبثية، أو مدى جدوى وفعالية المقاومة الشعبية ومقدرتها على إجبار الدولة الصهيونية على التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني. فإسرائيل نفسها خائفة. وهنا، تجدر الإشارة إلى تقرير سنوي للوضع أجرته حديثاً وزارة الخارجية الإسرائيلية، عرض صورة متشائمة للبيئة الإقليمية من الناحيتين السياسية والأمنية بالنسبة لتل أبيب. وتتلخص هذه الصورة بالتحذير من اندلاع انتفاضة ثالثة فلسطينياً نتيجة جمود العملية السياسية، ومن حصول برودة في العلاقات مع كل من الأردن ومصر، إضافة إلى مضي طهران قدماً في برنامجها النووي وتوسيع نفوذها باتجاه ساحات إضافية، في ضوء انعدام الاستقرار الذي تعيشه المنطقة.